علي بن عبد الكافي السبكي

349

فتاوى السبكي

كثيرة وقد تلخص أن كل من قتل من المسلمين في حرب الكفار بسبب من أسباب القتال قبل انقضاء الحرب فهو شهيد في أحكام الدنيا لا يغسل ولا يصلى عليه فإن كان مع ذلك صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر فهو شهيد في الآخرة أيضا وقد لا يحصل منه قتال بل يكون متهيئا له فكثيرا ما يتفق ذلك لمن يكون في الصف فهذا شهيد محمود وإن لم يصدق عليه أنه قاتل بالفعل بل بالقوة والشهادة بالحكم بالظاهر في هذا المعنى الذي شرحناه وفي المعنى الباطن هي شهادته بقلبه وبصره كرامة الله له وشهادة الملائكة له بحضورهم عنده على هيئة الإكرام وشهادته له بالخير وإكرامه له كما حصل لبعض الشهداء من تظليله بأجنحتهم بعد الموت حتى رفع وشهادة الدم عليه وتأهل لهذه الكرامة بأنه بذل نفسه وماله وولده وكل من يحبه لله تعالى ولنصرة دينه وإعلاء كلمته وإعزاز الإسلام وأهله وخذلان الكفر وأهله وتحمل المشاق في ذلك كله وتجرؤ عدو الله عليه تجرؤ على الله وصدا له عن إعلاء كلمة الله وقطعا لسبيله والجناية على عبيده فجازاه الله على هذه الميتة بحياة الأبد وجعله حيا باقيا مرزوقا فرحا مستبشرا آمنا واختصار هذا الذي يكتب في الفتوى أن الشهادة في سبيل الله حقيقتها موت المسلم في حرب الكفار بسبب من أسباب قتالهم قبل انقضاء الحرب صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر ويغني عن هذه الألفاظ الأربعة قاصدا إعلاء كلمة الله تعالى وشرفها لبذل نفسه لله في إعلاء كلمته وقتل عدو لله له دون الوصول دون ذلك وأما بقية الصور فشاركت هذه الصور في بعض هذه المعاني كما سنبينه وأما النتيجة فقد بينا بعضها فيما تضمنته الآيات والأحاديث وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين وفيه أيضا القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين وفيه أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاء ثم تأوي إلى تلك القناديل وأحاديث كثيرة في هذا المعنى فأما الدين فقال النووي في شرح مسلم أما قوله صلى الله عليه وسلم إلا الدين ففيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين وإنما تكفر حقوق الله تعالى وأما قوله صلى الله عليه وسلم نعم ثم قال إلا الدين فمحمول على أنه أوحي به إليه في الحال