علي بن عبد الكافي السبكي
347
فتاوى السبكي
فلما أدبر الرجل ناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف قلت فأعاد عليه قوله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نعم إلا الدين كذلك قال لي جبريل عليه السلام هكذا رواه مالك في الموطأ ورواه ابن أبي شيبة فقال فيه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن قتلت كفر الله عز وجل به خطاياي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر كفر الله عز وجل خطاياك إلا الدين كذلك قال لي جبريل وكذلك رواه ابن أبي ذئب والليث بن سعد وكذلك رواه مسلم في صحيحه من حديث الليث بن سعد وهو يدل بطريق المفهوم على أن ذلك شرط ينتفي الحكم عند انتفائه بخلاف رواية مالك ليست صريحة في الاشتراط حيث جعل ذلك من كلام الصحابي لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم برواية مالك فلا إشكال وإن أخذنا برواية الليث فيحتمل أن يقال إن قوله صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله منطوق والمنطوق يقدم على المفهوم ويحتمل أن يقال لا تعارض بينهما لأن الموعود به في هذا الحديث تكفير الخطايا ولا يلزم من انتفائه انتفاء كونه في سبيل الله وهذا أصح الأجوبة وبه يعرف أن درجات الشهداء متفاوتة فالذي يقطع بتكفير الخطايا له غير الدين هو الذي جمع هذه الصفات وأما غيره فقد يغفر له البعض دون البعض ويحتمل أن يقال جواب ثالث أن المفهوم يخصص العموم ولكن لا ضرورة إلى هذا وقوله مقبلا غير مدبر لأنه قد يقبل في وقت ويدبر في وقت فهذا الحكم إنما يثبت لمن لم يحصل منه إدبار أصلا نعم قد يقال إن هاتين الصفتين منصوبتان على الحال فالمعتبر هو كونه بهاتين الصفتين حال القتل لا قبله ولا بعده وحينئذ ينبغي أن يفسر الإقبال والإدبار بما لا منافاة بينهما إما بأن يقال إنه يقبل بقلبه وبدنه ونيته لا يكون له التفات إلى ما سوى ذلك لا في الحال ولا في المآل أو يكون تأكيدا وهكذا ذكر الصبر معهما الظاهر أنه لبيان ما قلناه من الإقبال بالظاهر والباطن فإن الشخص قد يكون مقبلا على العدو بصورته وفي قصده أن ينهزم فلا يكون صابرا ولو قتل في هذه الحالة فلا يكون شهيدا ولا يكون قتله في