علي بن عبد الكافي السبكي
276
فتاوى السبكي
وأنه إذا قام لكفايته وأنفق الشيء على أهله إذا فوتهم به وهذا يقتضي أن النفقة دون المؤنة فإن صح هذا فيحتمل الفرق بين الجهتين بأن النبي صلى الله عليه وسلم لكمال زهده ورغبته عن الدنيا في حق نفسه ومن يختص به أزواجه رضوان الله عليهم لاختيارهم الله ورسوله والدار الآخرة وإعراضهم عن إرادة الحياة الدنيا وزينتها مع إباحتها لهن لتمكينهن منها وتقريرهن عليها لو أردنها فكانت رتبتهن أعظم المراتب فاختير لهن النفقة التي قدمها بالضرورة والقوت وذخر نصيبهن للآخرة ليوفين أجورهن مرتين ولشفقته على الخلق وعلمه بأن ليس كل النفوس تصبر على الضيق جعل للعامل كفايته لئلا تضيق نفسه وهو ليس بمعين بخلاف الزوجات اللواتي خبر حالهن وأيضا فالذي أخذه أجرة عمل هذا الذي خطر لي في ذلك إن صحت الرواية التي ذكرناها بهذا اللفظ من غير تغيير من الرواة ورواية بالمعنى فإن الحديث في البخاري والعلم عند الله تعالى وقد قال تعالى ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة وقال تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ففي الآيتين دليل على انقسام النفقة إلى القليل والكثير ولا شك في ذلك ولكنا نقول النفقة اسم لما يخرج والمؤنة قد تدخر فلم يجعل صلى الله عليه وسلم لنسائه إلا قدر ما يخرجنه ليكن على أفضل الحالات وأكملها من الزهد والتجرد عن الدنيا والتبتل للآخرة وجعل للعامل ما يمونه وقد يدخره لأنه لا يقوى على ما يقوى عليه بيت النبوة ولأنه أجرة عمل ولا يرد على هذا أن عمر رضي الله عنه كان يفضل عائشة في العطاء لأنه فعل رضي الله عنه ما يجب عليه من تعظيم من يحبه النبي صلى الله عليه وسلم وهي تفعل ما يليق بها فلم تكن تدخر شيئا رضي الله عنها وعن أبيها وكذا بقية النساء يجب علينا تفضيلهن وتفضيل قسمهن لشرفهن وهن يفعلن ما يليق بهن من الزهادة وما اختاره لهن صلى الله عليه وسلم فاختياره لهن شيء واختيارهن لأنفسهن شيء واختيارنا نحن لهن شيء ولا يعوض أحد الشيئين الآخر وهكذا يجب على ولاة الأمور في حق العلماء والزهاد أن يكرموهم ويفضلوهم ثم هم يختارون لأنفسهم ما يرونه بما يليق بعلمهم وزهدهم عند الله تعالى وهذا ظاهر