مؤيد الدين الجندي

322

شرح فصوص الحكم

الأنبل الأنبه ، فأنت المؤمّل المكمّل ، والمعروف المعرّف والمجهول المجهّل . قال الشيخ - رضي الله عنه - : « فالأدنى من تخيّل فيه الألوهيّة ، فلو لا هذا التخيّل ما عبد الحجر ولا غيره . ولهذا قال : * ( قُلْ سَمُّوهُمْ ) * « 1 » ، فلو سمّوهم لسمّوهم حجرا « 2 » وشجرا وكوكبا . ولو قيل لهم : من عبدتم ؟ لقالوا : إلها ما كانوا يقولون : « الله » ولا « الإله » . والأعلى ما تخيّل ، بل قال : هذا مجلى إلهيّ ينبغي تعظيمه ، فلا يقتصر . والأدنى « 3 » صاحب التخيّل يقولون : * ( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى ) * « 4 » ، والأعلى « 5 » يقول : * ( فَإِلهُكُمْ إِله ٌ واحِدٌ فَلَه ُ أَسْلِمُوا ) * حيث ظهر * ( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ) * « 6 » الذين خبت نار طبيعتهم ، فقالوا : إلها ، ولم يقولوا : طبيعة » . قال العبد : العباد والعبّاد انقسموا إلى عارف بالله حيث تجلَّى وظهر ، عالم به كيف تعرّف وتنكَّر ، مشاهد لوجهه الكريم في كل وجهة وجهة تولَّى ونظر ، * ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه ُ الله ) * « 7 » الأكرم الأزهر ، محقّق في شهوده ، متحقّق بمشهوده ، فهو الأعلى ، لأنّه العابد ربّه الأعلى . والأدنى هو أن لا يشهد الحقّ الظاهر في المعبود المشهود ، ولكن يعبده تخيّلا أنّ فيه الألوهيّة ، فهو غالط جاهل بالإله ، فإنّه ما من إله إلَّا إله واحد ، * ( أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه ُ ) * « 8 » فلمّا لم ير ذلك ، وليس له الكشف بالحق من حيث الشهود العقلي ، فتحيّر وتخيّل تقليدا أنّ فيه الألوهيّة ، فكفر ، أي ستر الألوهية الظاهرة في مألوه ومعبود ، فتخيّل أنّ عبادة هؤلاء في الوجود ليست إلَّا لإلهيّة فيهم ، والحق أنّه ليس من الله في

--> « 1 » الرعد ( 13 ) الآية 33 . « 2 » في بعض النسخ : لسمّوهم حجارة . « 3 » في بعض النسخ : فالأدنى . « 4 » الزمر ( 39 ) الآية 3 . « 5 » في بعض النسخ : والأعلى العالم . « 6 » فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشّر المخبتين : الحجّ ( 22 ) الآية 34 . « 7 » البقرة ( 2 ) الآية 115 . « 8 » يوسف ( 12 ) الآية 40 .