الشيخ السبحاني
191
المذاهب الإسلامية
إنّ الراوي نقل الرواية بالمعنى كي يخفّف من شدة الصدمة الّتي تحصل فيما لو نقل الرواية بألفاظها والشاهد على ما نقول انّ البخاري نفسه روى الرواية بشكل آخر أيضاً ، فروى عن ابن عباس انّه كان يقول : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثم بكى حتّى بل دمعه الحصى ، قلت : يا بن عباس ما يوم الخميس ؟ قال : اشتدّ برسول اللَّه وجعه ، فقال : ائتوني بكتف اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : ما له ؟ أهجر ، استفهموه . فقال : « ذروني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه » فأمرهم بثلاث قال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، والثالثة خير إمّا أن سكت عنها وإمّا ان قالها فنسيتها . « 1 » ولعل الثالثة الّتي نسيها الراوي هو الّذي كان أراد النبي أن يكتبه حفظاً لهم من الضلال ولكن ذكره شفاها عوض كتابته ، لكن السياسة اضطرت المحدّثين إلى ادّعاء نسيانه . ولعلّ النبي أراد أن يكتب في مرضه تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين ، وتشهد بذلك وحدة لفظهما حيث جاء في الثاني : « إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا : كتاب اللَّه وعترتي » . وقد فهم الخليفة ما يريده رسول الإسلام وحدث به بعد مدة من الزمن لابن عباس فقال له يوماً : يا عبد اللَّه ان عليك دماء البدن ان كتمتها ، هل بقي في نفس علي شيء من الخلافة ؟
--> ( 1 ) . صحيح البخاري : 4 / 99 ، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب .