ابن عربي
72
فصوص الحكم
الركوب وجرّ الأثقال مثلًا . فالشاة الوادعة الأليفة التي تستسلم للذبح هي صورة النفس الصوفية الوادعة التي تستسلم للفناء . أما « الأرباح » المذكورة في القربان فيقابلها « البقاء » ( الذي هو ضد الفناء ) . والبقاء في عرف أصحاب وحدة الوجود هو الحال التي يتحقق فيها الصوفي من اتحاده الذاتي بالحق . هذا إذا حصل « الوفاء » أي إذا تم الفناء على وجهه الأكمل ، فإن فناء الصوفي عن نفسه ليس أمراً سلبياً محضاً ، وليس أمراً عدمياً ، بل يعقبه « بقاء » أي بقاء بالحق . وكل فناء غير هذا ناقص لا يؤدي الغرض المقصود منه ولهذا كانت عاقبته الخسران المبين . أما أخذ « فيه » بمعنى « في الحق » أو « في الله » ففيه شيء من التعسف لأن الله لم يُذْكر في الأبيات السابقة فيعاد عليه الضمير ، ولكنه مع ذلك فهم يستقيم مع ما يلي من الأبيات . وإذا أخذنا به أصبح معنى البيت : أن أمر الخلق - أو أمر الوجود كله مرتّب في الحق على درجات . فمن وفَّى بالميثاق الذي أخذه الله عليه ( وهو الميثاق المشار إليه في قوله تعالى : * ( وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بَنِي آدَمَ من ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا بَلى ) * : قرآن س 7 آية 179 ) وهو ميثاق الربوبية - بأن حقق في نفسه كل معاني العبودية - فقد ربح . ومن قصر في الوفاء بذلك العهد فقد خسر . ولهذا يذكر المؤلف بعد ذلك مباشرة أنواع المخلوقات ودرجاتها في العبودية وما يقابل هذه الدرجات من درجات القرب من الله . فأرقى المخلوقات عبودية أدناها في سلَّم التطور ، وأرقى المخلوقات في سلم التطور أبعدها من العبودية الكاملة وأبعدها من الله . ولن يرقى الإنسان إلى درجة العبودية الكاملة - في نظر ابن العربي - حتى يحقق حيوانيته ، بل جماديته ، أي حتى ينمحي فيه كل أثر للعقل وللصفات التابعة له المميزة للإنسان عن غيره من أنواع الحيوان الأخرى ،