ابن عربي
39
فصوص الحكم
دعاهم إلى القول بالتنزيه والتشبيه . أما التنزيه فمن ناحية نسبة الملك إلى الله على الحقيقة ، وأما التشبيه فلنسبة الخلافة إلى الإنسان في مُلك الله . قال تعالى « وأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه » . وإذا عرفنا معنى الخلافة الانسانية في مذهب ابن عربي ، أدركنا الإشارة بها إلى التشبيه . فالإنسان خليفة الله في العالم بمعنى أنه وحده هو الموجود الذي تتجلى فيه صفات الله وأسماؤه في صورة كاملة كما شرحناه في الفص الأول . أما الإشارة الواردة عن الترمذي فمذكور في الفتوحات المكية أيضاً ( ج 2 ص 66 ) في إجابات ابن عربي عن المائة والخمسة والخمسين سؤالًا التي سألها الحكيم محمد بن علي الترمذي المتوفى سنة 285 . والسؤال الخاص بمالك الملك هو السؤال السادس عشر ونصه : « كم مجالس ملك الملك ؟ » ( 8 ) « فأجابوه مكراً كما دعاهم » . معنى هذه العبارة أن نوحاً لما دعا قومه إلى عبادة الله على سبيل التنزيه قد مكر بهم وخدعهم . ويرى ابن عربي أن كل من يدعو إلى الله على هذا الوجه يمكر بمن يدعوه ويخدعه . وذلك أن المدعو مهما كانت عقيدته ومهما كان معبوده لا يعبد في الحقيقة إلا الله ، لأنه لا يعبد إلا مجلى من مجالي الحق في الوجود . فدعوته إلى الله مكر به ، لأنها تحمله على الاعتقاد بأنه يعبد شيئاً آخر سوى الله وما في الوجود سوى . أما مكر قوم نوح فظاهر من عبارتهم : « لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ، ولا تَذَرُنَّ وَدًّا ولا سُواعاً ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً » : لأنهم إن تركوا هذه الآلهة ، فقد جهلوا من الحق على قدر ما تركوا . ذلك لأن للحق في كل معبود وجهاً لا يُعبَد المعبود إلا من أجله . وهنا يفهم ابن عربي نصاً آخر من القرآن على أنه تقرير لوحدة الوجود من حيث صلتها بعبادة الله فيقول في ( مذهب ) المحمديين : « وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه » أي حكم : بمعنى قدَّر أزلًا أنكم لن تعبدوا إلا إياه ، لا بمعنى أمر ألا تعبدوا سواه .