ابن عربي

40

فصوص الحكم

يدل على ذلك قوله في العبارة التالية « فالعالِم يعلم من عُبِدَ ، وفي أي صورة ظهر حتى عُبِدَ » . ( 9 ) « ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا » . هنا خلط عجيب بين الآيات القرآنية وتخريج أعجب . يقول المؤلف : « ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ » لأنفسهم المصطفين الذين أوتوا الكتاب - أول الثلاثة » . أخذ الظالمين في قوله : « ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا » ( سورة نوح آية 25 ) بمعنى الظالمين في قوله تعالى : « ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا من عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِه ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ، ومِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ » ( سورة فاطر آية 29 ) . ولذلك وصفهم بأنهم أول الثلاثة الذين أورثهم الله الكتاب واصطفاهم من بين عباده . فهم ليسوا ظالمين على الإطلاق فتحقق عليهم الدعوة بالضلال ، ولكنهم ظالمون لأنفسهم ، لأنهم حرموا نفوسهم متع الحياة وزهدوا في الدنيا وما فيها ووصلوا إلى مقام الفناء في الله . وجعلهم أول الثلاثة المصطفين لأن الذي وصل إلى مقام الفناء في الذات واتصف بجميع صفات الكمالات أفضل من المقتصد وهو المعتدل الذي يلزم طريق التوسط في الأمور ، ومن السابق بالخيرات . هذا هو المعنى الذي أراد ابن عربي أن يفهمه من كلمة « الظالمين » الواردة في الآية . أما كلمة الضلال ، ففهمها على أن المراد بها « الحيرة » ، والحيرة التي هي نوع خاص ، هي حيرة الصوفي يرى الحق في كل شيء ، ويرى الواحد كثيراً ، والكثير واحداً ، والأول آخراً والآخر أولًا ، والظاهر باطناً والباطن ظاهراً إلى غير ذلك من الأمور المتناقضة التي توقع في الحيرة . ولكنها ليست حيرة الارتباك وقصور الفهم ، بل حيرة النفس الهائمة على وجهها الدائبة الحركة في دائرة الوجود . من أي نقطة بدأت حركتها على محيط الدائرة وصلت إلى « الحق » الذي هو مركزها . ولذلك يقول ابن عربي : « فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب » ، وليس القطب سوى الله .