ابن عربي
36
فصوص الحكم
إن قلت بالتنزيه المطلق وحده قيدت الحق لأن كل تنزيه فيه معنى التقييد . وإن قلت بالتشبيه وحده ، قيّدت الحق وحصرته . والصحيح أن تقول بالتنزيه والتشبيه معاً من وجهين مختلفين ، وهذا هو ما تقتضيه المعرفة الصوفية . إن الذين يثبتون وجود الحق والخلق - الله والعالم - على أنهما وجودان مختلفان وحقيقتان منفصلتان مشركون . والذين يقولون بوجود حقيقة واحدة مفردة موحدون . فإن قلت بالاثنينية فاحذر التشبيه وإلا وقعت في التجسيم . وإن قلت بالفردية ، فاحذر التنزيه المطلق ، لأن في ذلك إغفالًا لوجود العالم الذي هو أحد وجهي الحقيقة الفردية . وإذا فهمت من التنزيه الإطلاق ، ومن التشبيه التقييد ، ونظرت إلى الحق على أنه في عين الوجود مسرَّحاً ومقيداً ، أدركت أنك هو من وجه ، وأنك لست هو من وجه . قارن ما ورد في الفص السابع في الصلة بين الحق والخلق . ويلتمس ابن عربي - كعادته - أساساً من القرآن يبني عليه نظريته في التنزيه والتشبيه فيقول : إن قوله تعالى « لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ ، وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » تعبر عن هذا المعنى أحسن تعبير . فإننا إما أن نعتبر الكاف في قوله « كَمِثْلِه » زائدة وبذلك يصبح معنى الآية ليس مثله شيء وهو تنزيه - وباقي الآية وهو قوله « وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » تشبيه لأنه وصف للحق بأوصاف المحدثات التي تسمع وتبصر . وإما أن نعتبر الكاف في قوله « كَمِثْلِه » غير زائدة ، وبذلك يصبح الجزء الأول من الآية ليس مثل مثله شيء ، وهذا تشبيه لأنه أثبت المثل لله ونفى مثل المثل . وقوله « وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » تنزيه بمعنى أنه وحده الذي يسمع ويبصر في صورة كل من يسمع ويبصر . فالآية - في نظره - تجمع بين التنزيه والتشبيه في كلتا الحالتين . ( 5 ) « فإن القرآن يتضمن الفرقان » . استعملت الكلمتان في القرآن للدلالة على التنزيل الحكيم ، أما ابن عربي