ابن عربي

37

فصوص الحكم

فيستعملهما هنا بمعنى التفرقة والجمع - كما لا يفهم الصوفية عادة من مقامي التفرقة ( أو الفرق ) والجمع ( 1 ) - بل بمعنى أن الفرقان هو الدعوة إلى تنزيه الله تعالى دون تشبيهه ، وأن القرآن هو الدعوة إلى الجمع بين التنزيه والتشبيه . فمن يدعو إلى تنزيه الله - كما فعل نوح - ولا يلتفت إلى التشبيه ، كان فرقانياً . ومن يدعو إلى تنزيهه وتشبيهه معاً - كما فعل محمد - كان قرآنياً . ولا أظن أن ابن عربي استعمل كلمة القرآن بهذا المعنى لأن المنزَّل عليه القرآن جمع في دعوته بين التنزيه والتشبيه ، بل وجد أن من معاني « قرأ » الجمع والضم فاستعمل كلمة القرآن هذا الاستعمال الغريب . ويدور هذا الجزء من الفص - من قوله : « لو أن نوحاً عليه السلام جمع لقومه بين الدعوتين » إلى الآخر حول مشكلة التنزيه والتشبيه مستخلصة من الآيات القرآنية الواردة في سورة نوح من الآية 5 - 28 ، بعد أن يلجأ المؤلف في تفسيرها إلى نوع غريب حقاً من التأويل يشهد له بالعبقرية ، ولكنه كان في غنى عنه - هنا وفي أي مقام آخر استشهد بالقرآن ليؤيد نظريته في وحدة الوجود - لو أنه فضل الصراحة في القول وجهر به بدلًا من الدوران حول النصوص وتأويلها إلى غير معانيها وتحميلها ما لا تحتمل . يتمثل لنا نوح في هذه الآيات في صورة الرجل الذي يدعو قومه إلى مطلق التنزيه فيتصامون عنه ولا يعيرونه التفاتاً ، لأنها دعوة إلى مستحيل - إلى شيء مجرد لا يمت لهم بصلة ولا يعرفون عنه شيئاً ، بل لا يمكنهم أن يعرفوا عنه شيئاً . دعاهم إلى « الفرقان » - إلى إله منزَّه مخالف لجميع المحدثات - فلم يفهموا دعوته ، ولو دعاهم إلى « القرآن » فجمع في دعوته بين التنزيه والتشبيه ، وبيَّن لهم وجهي الحقيقة للبّوا دعوته وفهموا مقصده . ويلتمس ابن عربي كل سبب ليجعل من الإسلام مذهباً في وحدة الوجود وينسب

--> ( 1 ) ويستعملها في غير هذا المكان بالمعنى الصوفي .