ابن عربي

28

فصوص الحكم

صور الحق ووجودها العيني عندما توجد صورة من صور وجوده . ولكن الله - الذات المطلقة - ليس له من حيث إطلاقه وغناؤه الذاتي عنها وعن غيرها نسبة ما إليها ولا لها هي نسبة إليه . فليس فيها من ذلك المطلق شيء . وليس فيها مما يحقق وجودها إلا طبيعتها الخاصة . فما في موجود من الموجودات شيء من الله ( المطلق ) عينه على النحو الذي تعين به ، وإنما وجود كل شيء راجع إلى نفسه . ووجود الأشياء في الصور التي هي عليها هو الفيض الثاني أو الفيض المقدس . فإذا فهمنا العبارة السابقة من ناحية صلتها بهذا الفيض ، ارتفع التناقض الظاهري بينها وبين مذهب المؤلف في وحدة الوجود . على أنه يمكن تفسير العبارة بمعنى آخر يتمشى تماماً مع مذهب ابن عربي العام ويتأيد بما أورده هو بالفص العيسوي . وذلك أن الله عنده هو الوجود المطلق ، وكل موجود من الموجودات صورة له . والصورة - إذا أخذت في جزئيتها - ليست الله في إطلاقه . وإذن فليست الصورة هي الله وإن كانت مجلى له وقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح عيسى بن مريم لأنهم حصروا الحق الذي لا تتناهى صوره في تلك الصورة الجزئية المعينة ، وكان الأولى بهم أن يقولوا إن المسيح صورة من صور الحق التي لا تتناهى . على أن ابن عربي لا يكتفي بنسبة التحقق في الوجود إلى ذوات الأشياء نفسها ، بل ينسب إليها أيضاً كل وحي وكل علم إلهامي أو ذوقي . فلا منبع لعلم في الإنسان إلا نفسه . وفي هذا يقول : « فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقي إليه ما لم يكن عنده من المعارف ، وتمنحه ما لم يكن قبل ذلك في يده ، فتلك الصورة عينه لا غيره » . فالاستعداد الأزلي في الموجود هو الذي يعين وجوده ويكيّف ما يوحى إليه من العلم . وإذا كان الأمر على ما وصفنا ، فما معنى القول بأن الله قادر على كل شيء ، وأنه فعال لما يريد ؟ ما معنى الإمكان الذي يتكلم عنه المتكلمون ؟ ما معنى أن الممكن هو ما يستوي وجوده وعدمه فإن شاء الله أوجده وإن شاء لم يوجده ؟ أليس