ابن عربي

29

فصوص الحكم

كل شيء مقدراً أزلًا في عينه الثابتة فإذا ظهر في الوجود كان ظهوره بحسب ما تقتضيه تلك العين ؟ ألا تتنافى هذه الجبرية العنيفة مع وجود إله مختار يفعل في الوجود ما يشاء وكيف يشاء ؟ هذه أسئلة يحاول ابن عربي أن يجيب عنها في الفقرة التالية عندما يشرح معنى الإمكان والممكن . يقول لما ثبت عند بعض النظار أن الله فعال لما يشاء ، جوزوا عليه ما يناقض الحكمة وما عليه الأمر في نفسه . فالممكن عندهم ما كان وجوده من الله ( واجب الوجود بالذات ) وفي إمكان الله أن يوجده على أي نحو أراد ، حتى ولو كان ذلك الوجود منافياً للحكمة ولطبيعة الوجود إطلاقاً . ولكن هذا التفسير دفع ببعض المتكلمين الآخرين إلى إنكار وجود الممكنات ، وقالوا لا وجود إلا لواجب الوجود : وواجب الوجود إما واجب الوجود بذاته أو واجب الوجود بغيره . أما الممكن إطلاقاً فلا يمكن تحقق وجوده . أما ابن عربي فقد توسط بين الأمرين وقسم الوجود إلى واجب وممكن ثم قال إن الممكن هو واجب الوجود بالغير . يقول « والمحقق يثبت الإمكان ويعرف حضرته ، والممكن ما هو الممكن ، ومن أين هو ممكن ، وهو بعينه واجب الوجود بالغير ، ومن أين صح عليه اسم الغير الذي اقتضى له الوجوب » . والحقيقة أن « الغَيريَّة » هنا غيرية اعتبارية ، وأن واجب الوجود بالغير ليس إلا مظهراً لواجب الوجود بالذات ، وأن كل ما يجري على أي شيء من أحكام الوجود ضروري ، ويستوي أن تنسب هذه الضرورة إلى العين أو إلى الذات المتجلية في صورة العين لأن الكل واحد . ولم يجب ابن عربي على الإشكال الذي أثاره نظار المتكلمين ، وإنما شرح ناحية من نواحي مذهبه في وحدة الوجود . ( 12 ) « وعلى قدم شيث يكون آخر مولود يولد من هذا النوع الإنساني » . ذهب شراح الفصوص في تفسير هذا الفص الرمزي مذاهب شتى وتضاربت فيه آراؤهم . فمنهم من اعتبر « آخر مولود يولد في النوع الانساني » ولداً حقيقيًّا يحمل جميع أسرار شيث على نحو ما حمل شيث أسرار آدم . ولكنهم اختلفوا بعد ذلك : فذهب بعضهم إلى أن المراد به ختم الولاية العامة الذي قالوا إنه عيسى عليه السلام .