ابن عربي

22

فصوص الحكم

ذكر المؤلف ثلاثة أنواع من السؤال : السؤال باللفظ أو الدعاء ، والسؤال بالحال ، والسؤال بالاستعداد . أما السؤال باللفظ فقد شرحناه وبينا أنه لا أثر له مطلقاً في الإجابة عن المسؤول . وأما السؤال بالحال فراجع في الحقيقة إلى السؤال بالاستعداد ، فإن الحال التي تطلب شيئاً ما تتوقف على طبيعة استعداد صاحبها ، فلحال الصحة أو المرض مثلًا مطالب ، ولكن الصحة والمرض يتوقفان على طبيعة الصحيح والمريض . فلم يبق بعد السؤال باللفظ إذن إلا السؤال بالاستعداد : أي ما تتطلبه طبيعة كل موجود من صفات الوجود . هذا هو السؤال بالمعنى الصحيح ، وهذا هو السؤال الذي يستجيب له الحق استجابة حقيقية . فإذا قدر لشيء ما أزلًا أن يكون على نحو ما من الوجود وطلبت طبيعة ذلك الشيء ما قدِّر لها ، تحقق في الحال ما طلبت . وليس ما يجري من الأحداث على مسرح الوجود إلا ذاك . هنا تظهر جبرية ابن عربي واضحة جلية . ولكنها ليست جبرية ميكانيكية أو مادية ترجع لطبيعة جامدة غير عاقلة ، بل هي نوع من الانسجام الأزلي Pre - established harmony الذي قال به ليبنتز . كما أنها ليست الجبرية التي قال بها غير ابن عربي من المسلمين ، لأن الجبرية الاسلامية ثنوية تفترض وجود الله والعالم ، أما ابن عربي فيدين بحقيقة وجودية واحدة . فنظام الوجود القائم وما طبع في جبلته من القوانين التي هي في واقع الأمر قوانين إلهية وطبيعية معاً ، كل ذلك هو الذي يقرر مصير العالم في أية لحظة من لحظاته . وهذه النزعة أقرب ما تكون إلى نزعة الرواقية في إلهيّاتهم . أما النتيجة العملية لهذا المذهب من الناحية الصوفية ، فالرضا المطلق بقضاء الله وقدره ، ومحاولة الصوفي التخلص - ما أمكنه - من ربقة العبودية الشخصية ، ليحقق في نفسه الوحدة الذاتية مع الحق . ( 4 ) « ومن هنا يقول الله تعالى « حَتَّى نَعْلَمَ » . . . الكشف والوجود » . تشعر العبارة « حَتَّى نَعْلَمَ » - إذا أخذت على ظاهرها - بأن علم الله بالأشياء غير