ابن عربي

23

فصوص الحكم

أزلي لأنه متعلق بالموجودات الكائنة الفاسدة الموجودة في الزمان والمكان . وقد حاول بعض المتكلمين نفي هذا عن العلم الإلهي بأن نسبوا الحدوث في العلم للتعلق لا للعلم نفسه . أما العلم الإلهي فهو قديم . ولكن ابن عربي يرد عليهم في هذه النقطة بقوله إنهم أثبتوا صفة العلم زائدة على الذات الإلهية وجعلوا تعلق العلم بالمعلوم للعلم لا للذات . ولكن الذات وصفاتها شيء واحد في نظر المحققين أمثاله ( وفي نظر المعتزلة أيضاً ) ، فالتعلق للذات المتصفة بالعلم لا للعلم . وكذلك الحال في القدرة والإرادة والصفات الأخرى . فإذا قيل تعلق علم الله بكيت وكيت كان معنى ذلك تعلقت الذات الإلهية المتصفة بالعلم بكيت وكيت . ولكن ذات الحق هي في الواقع - في مذهبه - ذات المعلوم : وعلى ذلك لا يرى أن الحق يكتسب علماً بالمعلوم عندما يظهر ذلك المعلوم في الوجود ، كما لا يرى بَعْديةً زمانية في العلم الإلهي ، وإن افترض قبلية وبعدية اعتبارية في الذات الإلهية التي تُصوِّرت على أنها كانت ثم أصبحت . فعلم الله بالأشياء في العالم العقلي هو علمه بأعيانها الثابتة التي هي ذاته المفصلة في علمه . أي هي علمه بذاته في هذا المقام . وعلمه تعالى بالموجودات الخارجية هو نفس ذلك العلم منكشفاً له في صفحة الوجود : أو هو علم بذاته متجلياً في أعيان الموجودات ، فالبعدية موجودة بهذا المعنى . وعليه يلزم أن نفهم « حَتَّى نَعْلَمَ » على ظاهرها وألا نؤولها . ( 5 ) « والأمر كما قلناه وذهبنا إليه . وقد بينا هذا في الفتوحات المكية » . الأمر الذي قد بينه هو أن الحق سبحانه قد منح من ذاته وصفاته كل موجود ذي ذات وصفات . وهذا هو التجلي الإلهي : أي الظهور في الصور أو التعينات الكونية . ولا يكون التجلي الإلهي لشيء إلا بحسب استعداد المتجلي له ، ولهذا لا يرى إنسان إلا صورته في مرآة الحق . أما الحق في ذاته فلا يُرَى ولا يُعْلَم لأنه لا يتجلى في صورة مطلقة . وقد ضرب المؤلف لهذه الرؤية الإلهية مثلًا بالمرآة والصورة المشاهدة فيها ، فإن الناظر إلى نفسه في المرآة يرى صورته هو ولا يرى جرم المرآة