ابن عربي
15
فصوص الحكم
أو لا تفارق الوجود العيني . أي أن الكلي إن كان له وجود خارجي فوجوده في أفراده لا يفارقها . ونسبة الأمر الكلي إلى أفراده نسبة واحدة سواء أكان المتصف به شيئاً مؤقتاً أم غير مؤقت ، حادثاً أم قديماً . فنسبة العلم مثلًا إلى جميع من يتصفون به واحدة إذ نقول في كل من اتصف بالعلم إنه عالم ، وكذلك نقول في الحياة وفي الإرادة . ولكن الأمر الكلي من ناحية أخرى يعود إليه حكم من الموجودات العينية التي يتحقق فيها بحسب طبيعة تلك الموجودات ، فيوصف بالقدم إذا اتصف به القديم وبالحدوث إذا اتصف به الحادث . ( 10 ) « ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه . . . إلا للوجوب الذاتي » : لما شرح معنى المحدَث ( والمراد به العالم ) وأنه هو الممكن المفتقر في وجوده إلى غيره لا الذي له أولية في الزمان ، أخذ يشرح الصلة بينه وبين محدِثه الذي هو واجب الوجود . فقال إن طبيعة واجب الوجود اقتضت وجود المحدَث لذاتها ، ولذا كان المحدَث واجب الوجود بغيره . واقتضت طبيعة الواجب الوجود كذلك أن يكون المحدَث ( العالم ) على صورة من أوجده فيظهر فيه كل شيء من اسم وصفة عدا وجوب الوجود الذاتي وهي الصفة التي انفرد بها الله . ولما كان العالم صورة واجب الوجود بهذا المعنى أحالنا الله في العلم به على النظر في الحادث بما فيه أنفسنا ، وبذلك عرفناه واستدللنا بأنفسنا عليه . وهنا يصل ابن عربي إلى النقطة الختامية في هذا الموضوع ويعرج مرة أخرى على مذهبه في وحدة الوجود فيقول « فمما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوبَ الخاص الذاتي » . بل إن الأنبياء أنفسهم ( ألسِنة التراجم ) يصفون الله بهذه الأوصاف ويصف هو نفسه لنا بها أو بنا ، فنحن صفاته لأننا مظهره ، وعلمنا به علمنا بنا ومنَّا ، لأننا نراه في المرآة ، ويستحيل علينا أن نراه بدونها ، والمرآة العالم الذي نحن جزء منه .