ابن عربي
16
فصوص الحكم
( 11 ) « فبهذا صح له الأزل والقدم . . في عين آخريته » : ظهر مما تقدم أن الحق والخلق وجهان لشيء واحد هو الحقيقة المطلقة أَو الوجود المطلق لا فرق بينهما إلا في وجوب الوجود الذي يتصف به الحق ، وإمكان الوجود أو الافتقار الذاتي الذي هو من طبيعة الخلق . وعن وجوب الوجود تتفرع كل الصفات التي يتميز بها الحق عن الخلق كالقدم والأزلية والأبدية وغيرها . فالحق قديم أي لا أول لوجوده لأنه يستحيل عليه المسبوقية بالعدم . فهذا معنى من معاني الأولية انتفى عنه . ولكنه يصف نفسه بأنه الأول والآخر فلا بد أن يكون المراد بالأولية هنا أنه مبدأ الوجود والأصل الذي صدر عنه كل وجود ، كما أن المراد بالآخرية رجوع كل موجود في آخر الأمر إليه كما قال « وإِلَيْه يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه » . ولهذا قال المؤلف « فهو الأول في عين آخريته » أي أن أوليته وآخريته يرجعان إلى سبب واحد هو افتقار الموجودات إليه . فالأزل والأبد إذن من صفات الواحد الحق وحده ، والوجود الزماني المحدود من صفات الكثرة . ولا يمكن أن تكون أولية الحق تعالى مثل أولية الوجود المقيد بمعنى افتتاح الوجود عن العدم ، وإلا لم يصدق عليه أن يكون آخراً لأن الآخرية حينئذ تكون بمعنى آخرية الموجودات المقيدة أيضاً والموجودات المقيدة أو الممكنات غير متناهية . ( 12 ) « فالعالم بين كثيف ولطيف وهو عين الحجاب على نفسه ، فلا يدرك الحق إدراكه نفسه » . في العالم أجسام وأرواح وهي المرادة بالكثيف واللطيف ، وكلها حُجُبٌ تستر الذات الإلهية وتمنعها من الظهور عارية عن كل تعين ، كما تحول بيننا وبين إدراك تلك الذات على حقيقتها . وقد استشهد الصوفية في هذا المعنى بحديث كثيراً ما رددوه وذهبوا في تأويله كل مذهب وهو أن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه البصر من خلقه » . قال