ابن عربي
149
فصوص الحكم
وبنى عليها نظرية معتقدة في معرفة العباد بالحق ومدى صحة هذه المعرفة في حالة كل منهم . قسم طالبي المعرفة بالحق ثلاثة أقسام : الأول أصحاب القلوب وهم الكاملون من الصوفية : والثاني أصحاب العقول وهم الفلاسفة والمتكلمون : والثالث المؤمنون الذين يأخذون علمهم بالتقليد من أنبيائهم . أما أصحاب القلوب فيعرفون الحق بالشهود والذوق ، ويرونه في كل مجلى ويقرون به في كل صورة . فهم يدورون مع الحق أينما دار ، ويشاهدون وجهه ( ذاته ) في كل مشهد . ألم يقل الحق في كتابه : « فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه الله » ؟ ( قرآن س 2 آية 115 ) . وأما أصحاب العقول من الفلاسفة والمتكلمين فهم أهل الاعتقادات الخاصة الذين حصروا الحق في صور خاصة - والحق يأبَى الحصر . وهؤلاء هم الذين « يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضاً » من أجل ما وهموا أن الحق في هذا المعتقَد أو ذاك أو في هذه الصورة العقلية أو تلك . وليس لهؤلاء القوم شهود للحق في قلوبهم ، وإن كانت له صور معقولة مجردة في عقولهم . وأما المقلدون الذين قلدوا الأنبياء والرسل فيما أخبروا به عن الحق - وهم المشار إليهم بقوله : « أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ » فلهم في الحق أيضاً اعتقادات خاصة وصور معينة ، ولكنهم أصحاب شهود - بدليل قوله : « وهُوَ شَهِيدٌ » لأنهم يشاهدون الحق بنوع ما في صلواتهم وأدعيتهم ويمثلونه بين أيديهم اتباعاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : « أعبد الله كأنك تراه » : أي تصوره على نحو ما في قبلتك وأنت تعبده حتى لكأنك تراه . وليس هذا شهود قلب كشهود العارفين من الصوفية وإنما هو شهود خيال . ( 11 ) « وبَدا لَهُمْ من الله - في هويته - ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ » . أشار فيما سبق إلى الحديث القائل إن الله يتجلى لعباده يوم القيامة في صورة فينكرونه ويستعيذون منه ، وفي صورة أخرى فيعرفونه ويسجدون له ، وقال