ابن عربي

150

فصوص الحكم

إن هذه الصور ليست سوى صور الاعتقاد التي يعرف فيها أصحابها الحق أو ينكرونه . ويشرح هنا معنى قوله تعالى « وبَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ » بنفس المعنى : أي أن الحق تعالى يظهر لعباده يوم القيامة بصور لم يكونوا يتوقعونها ولا خطرت لهم ببال . وهذه الصور هي صور الاعتقاد المتعلق بحكم من أحكام الله أو بهويَّة الله ذاتها . فالمعتزلي مثلًا يعتقد أن العاصي إذا مات على غير توبة عاقبه الله ، فإذا رأى يوم القيامة أن من مات كذلك رحمه الله وعفا عنه للعناية الإلهية السابقة في حقه ، انكشف له خلاف معتقده . وهذا معنى تجلي الحق له يوم القيامة بصورة لم يكن يحتسبها . أما في هوية الحق ، فإن بعض العباد يعتقد أنه كذا وكذا ثم يتجلى الحق لهم في صورة هوية أخرى تخالف معتقدهم فيبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون . والأمر الخطير في المسألة أن ابن عربي يفسر يوم القيامة وكل ما يتصل به من أمور الآخرة تفسيراً جديداً يتمشى مع مذهبه في وحدة الوجود ولا يمت إلى المعاني الإسلامية بصلة . فيوم القيامة هو يوم يقظة الروح الانسانية ، أو يوم عودة النفس الجزئية إلى النفس الكلية : أو هو الوقت الذي تتحقق فيه النفس الجزئية من وحدتها الذاتية ب « الكل » . وعند هذه العودة - أو عند هذا التحقق تنمحي صور الاعتقادات الخاصة ويشاهَدُ الحق في كل شيء وفي صورة كل معتقد . فإذا ظهر الحق ووقع الشهود من العبد : أي إذا ارتفعت حجب المعتقدات الجزئية ، ارتفعت كذلك الحواجز والفوارق بين الحق والعبد - بين الواحد والكثير - واستيقظت النفس من سباتها العميق فوجدت أنها هي هو : وشاهدت الحق بعد رفع الغطاء ببصر لا يعتريه كلال ، وحق فيها قول الحق : « لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ من هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » ( قرآن س 50 آية 22 ) . ( 12 ) « ومن أعجب الأمور أنه في الترقي دائماً ولا يشعر بذلك للطافة الحجاب ورقته وتشابه الصور » .