ابن عربي

146

فصوص الحكم

قولهم : « إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ » لأنهم قصدوا أنه عيسى ابن مريم دون غيره . وفي تجلي الغيب يحصل الاستعداد الذي يكون عليه قلب العارف . وقد ذهب جمهور الصوفية إلى أن الحق يتجلى لقلب كل عبد بحسب استعداد ذلك القلب ، ولكن ابن عربي يخالفهم في هذا الرأي ويذهب إلى أن قلب العارف يتلون في كل لحظة بلون الصورة التي يتجلى له الحق فيها ، فهو هيولي الصورة أو الاعتقاد كما أشرنا . ولهذا قال : « فإن العبد - ويقصد به العارف خاصة - يظهر للحق : والمراد يظهر قلبه للحق : على قدر الصورة التي يتجلى له فيها الحق » . وقد شرح هذا المعنى من قبل في قوله : « فإن القلب من العارف أو الإنسان الكامل بمنزلة محل فص الخاتم من الخاتم لا يفضل : بل يكون على قدره وشكله » . فكأن المسألة إذن ليست مسألة استعداد للقلب يحصل تجلي الحق بمقتضاه ، فيراه القلب على هذا النحو أو ذلك ويدركه في هذه الصورة أو تلك ، بل المسألة مسألة مرآة تنعكس عليها صور جميع الموجودات فيدركها قلب العارف على أنها صور للحق ويتشكل بشكلها ويتلون بلونها ويضيق ويتسع بضيقها وسعتها ، لأن القلب من هذه الصور كفصّ الخاتم من الخاتم . على أن هذا لا يمنعنا من أن نسمي قدرة القلب على قبول جميع صور التجلي الإلهي استعداداً أيضاً وأن قلب العارف قد قدّر له ذلك في عالم الغيب كما قدر لغيره ألا يدرك من صور التجلي إلا صورة واحدة . ولكن الأولى أن نقول إن تفسير الصوفية لتجلي الحق في قلب العبد تفسير صوفي ، وتفسير ابن عربي تفسير فلسفي متأثر بمذهبه في وحدة الوجود . ( 7 ) « فلا يشهد القلب ولا العين أبداً إلا صورة معتقده في الحق » . بعد أن شرح معنى احتواء قلب العارف للحق ومشاهدته له ، أراد أن يفسر ذلك « الحق » المشهود ، فقال إنه صورة معتقد العارف . فالعارف يشهد جميع صور المعتقدات لأنه لا يتقيد بصورة دون أخرى ، وإن شئت فقل أنه يشهد