ابن عربي
147
فصوص الحكم
الحق المخلوق في المعتقدات في هذه الصورة ، بينما يشهده غيره في صورة خاصة ولا يراه إلا فيها : وهؤلاء هم أصحاب الاعتقادات الخاصة . وفي هذه العبارة اعتراف صريح من ابن عربي بأن « الحق » في ذاته ليس مشهوداً لأحد في هذه الدنيا ، وإنكار صريح على الصوفية الذين يدّعون أنهم يشاهدون « الحق » في حال وجدهم وفنائهم . فليس الحق - في نظره - مشهوداً لأحد من حيث ذاته المقدسة المنزهة عن جميع النسب والإضافات وكل ما يتصل بالوجود الخارجي . وليس الحق مشهوداً لأحد من حيث إنه ذات موصوفة بالصفات والأسماء ، إلا عن طريق المجالي والمظاهر الوجودية التي يتألف منها العالم . ولكن « الحق » مشهود في كل قلب - وفي قلب العارف بوجه خاص في صور معتقدات صاحب هذا القلب . فإن عبَّرنا عن هذه المسألة بلغة التجليات كما يعبر عنها هو أحياناً ، نقول إن تجلي الحق في ذاته غير مشهود لأحد ، وكذلك تجليه في الحضرة العلمية في أسمائه وصفاته ، ولكنه مشهود في تجليه في صور الإله المخلوق في المعتقدات . ( 8 ) « فالأمر لا يتناهى من الطرفين » . المعرفة الحقيقية بالحق هو أنك لا تقيده في صورة خاصة فتقر به وتنكر ما عداها ، بل تطلقه إطلاقاً في جميع الصور الوجودية على السواء - أو في جميع صور الاعتقادات على السواء وصور الوجود لا تتناهى فمعرفتك بالحق لا تتناهى . ولذلك قال : « وكذلك العلم با لله ما له غاية في العارف يقف عندها . وكيف يقف العلم با لله عند غاية ، والعلم به مستمد من العلم بمظاهر الوجود المتغيرة المتبدلة في كل آن من الآنات ، والخلق الجديد ( 1 ) الذي هو تحول الحق في الصور هو قانون
--> ( 1 ) يشير ابن عربي في مثل هذا المقام إلى قوله تعالى : « بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ » ( قرآن س 50 آية 14 ) ويشرح الخلق الجديد بهذا المعنى . وقد عالج هذه المسألة في الفص السادس عشر .