ابن عربي
145
فصوص الحكم
الكونية متعارضة متناقضة فلا بد من وقوع التعارض والتناقض في نِسَبِها إلى الذات . فالحق موصوف بصفات متضادة كالأول والآخر والظاهر والباطن والجميل والجليل ، وهو - في مذهب ابن عربي - موصوف أيضاً بصفات المحدثات لأنه هو الظاهر في صورها الكثيرة المتباينة . ففي هذه الحضرة فقط وفي هذا المقام وحده ، وهو مقام الكثرة ( لا مقام الوحدة الذي هو حضرة الذات ) وصف الحق نفسه بالشفقة على عباده وبرحمته إياهم ، فإن شفقته ورحمته يتجليان في منح الوجود للكثرة الوجودية التي هي العالم . ولهذا قال : « فلما تعارض الأمر بحكم النسب » : أي فلما وقعت المعارضة في الذات الإلهية من أجل نسبها إلى الكثرة الوجودية ، خلق الله العالم . وخلق العالم هو عين شفقته به . ( 6 ) « فلا يزال « هو » له دائماً أبداً » . ذكر في الفقرة السابقة أن للحق تجليين : تجلي غيب وتجلي شهادة . فتجليه في الغيب هو تجليه لذاته في ذاته في الصور المعقولة لأعيان الممكنات وهذه هي حضرة الأسماء والفيض الأقدس الذي شرحناه في الفص الأول . وتجليه في الشهادة هو ظهوره في صور أعيان الممكنات في العالم الخارجي ، وهو الفيض المقدّس المشار إليه هنالك . فالتجليان هما هذان الفيضان أو الحضرتان المتقابلتان وهما أيضاً المرموز إليهما بالاسمين الإلهيين : الأول والآخر أو الباطن والظاهر : عالم الغيب وعالم الشهادة . ولما كان الضمير « هو » يشير إلى المفرد التائب كان رمزاً على عالم الغيب ، ووجب إطلاقه على الحق في تجليه الأول وحده ، ولهذا قال : « فلا يزال « هو » له ( أي للحق ) دائماً أبداً . ولا يطلق « هو » على عالم الشهادة لأنه كثرة مظهرية لا ذات واحدة ، كما أنه لا يقال على أي موجود من الموجودات إنه هو الحق . ولهذا كفَّر ابن عربي النصارى في