ابن عربي

144

فصوص الحكم

ويسبّح بحمده : ولكن بمعان خاصة وضعها لهذه الألفاظ ، وقد سبق شرح بعضها . وهو معبود ومقدّس ومسبّح بحمده من حيث إنه « الكل » ، والذي يعبده ويقدسه ويسبح بحمده هي أفراد الموجودات أو صورها . فالألوهية والمألوهية ، وإن لم يكن لهما المعنى الديني الخاص الذي نعرفه ، ليسا خلواً من معنى فلسفي له قيمته وخطره في مذهبه . على أنه قد يُشْرِب ذلك المعنى الفلسفي أحياناً روحاً دينية عالية ويبث فيه عاطفة دينية قوية لا تقلّ في قوتها ولا في حرارتها عن عاطفة أي رجل ديني . فالعبد - مع أنه وجه من وجوه الحق ومجلى من مجاليه - لم يزل مفتقراً إلى الحق الذي هو أصله - مستمداً وجوده من وجوده ، لا قيمة ولا وجود له في ذاته . وأي افتقار أعظم من افتقار الصورة - وهي في ذاتها عدم محض - إلى من يقومها ويوجدها ؟ فشأن ابن عربي في هذا الصدد شأن « اسبنورا » : لم يخْفُتْ في قلبه صوت العاطفة الدينية ، وإن قضى عقله على كل معنى من المعاني التي تحملها ألفاظ الدين - أعني دين المذاهب والنحل وهو الدين بمعناه الضيق . أما دينه فهو الدين العالمي الواسع الذي وجد أصوله ومبرراته في رحبة وحدة الوجود . على أن الألوهية والربوبية من جهة أخرى مفتقرتان إلى المألوهين والمربوبين ، ولا بد من ذلك لكي ينعكس كل من المتضايفين على الآخر تمام الانعكاس ويتكافآ وجوداً وعدماً . فإذا قلنا إن الحق غني عن العالمين ، كان المراد بذلك الذات الإلهية التي لا نسبة لها مطلقاً إلى الوجود من حيث هي ، لا الحق الذي هو إله ورب . ( 5 ) « فلما تعارض الأمر بحكم النسب ورد في الخبر ما وصف الحق به نفسه من الشفقة على عباده » . لا تعارض ولا تناقض في الذات الإلهية من حيث ما هي عليه في نفسها ، ولكن التعارض والتناقض حاصلان فيها من حيث الأسماء الإلهية والصفات التي هي نسب وإضافات بين الذات الواحدة ومظاهرها الكونية الكثيرة . والمظاهر