ابن عربي
133
فصوص الحكم
ومقرر عند المسلمين ، فِلمَ لا يقتبس من المسيحية كما اقتبس من غيرها ما دام في استطاعته أن يصبغ كل ما يقتبسه بصبغة نظريته في وحدة الوجود ؟ أصل الوجود كله هو الواحد الحق ولكنه من حيث ظهور الوجود عنه - لا من حيث ذاته المطلقة وحدها - مثلث الصفات لأنه من حيث جوهره ذاتٌ ، ومن حيث صلته بالوجود الظاهر مريدٌ وآمرٌ . ولذا كان أساس الإيجاد الفرديةَ الأولى التي لها هذا التثليث : الذات الإلهية ، والإرادة والأمر ( الذي يعبّر عنه بالقول ) . ولا تظهر هذه الفردية الثلاثية في الموجِد وحده ، بل تظهر كذلك في الشيء الموجود ، وبغيرها لا يصح تكوينه واتصافه بالوجود ، فهو أيضاً ذاتٌ مطيعة لإرادة الموجِد ممتثلة أمره . وبذا حصلت المقابلة التامة بين الثالوثين : ثالوث الحق وثالوث الخلق . أو بين الثالوث الموجِد والثالوث المكوّن وظهر الوجود عن الواحد . ولكن وضع المسألة بهذه الصورة قد يشعر بأن ابن عربي يدين بفكرة الخلق بالمعنى المعروف ، وأن للخالق إرادة مطلقة وأمراً حقيقيًّا في الوجود ، في حين أنه ينكر بتاتاً الخلق بمعنى الإيجاد من العدم ، ويبطل عمل الإرادة الإلهية - كما رأينا - بإخضاعها لنوع من الحبرية لا تستطيع عنه انفكاكاً ، ويفسر الأمر من قِبَل الخالق والامتثال من قِبَل المخلوق بأنه لسان حال ، كأن الخالق في فعله والمخلوق في انفعاله ينطقان بلسان الحال أن بينهما نوعاً من التأثير والتأثر - لا على أنهما حقيقتان منفصلتان إحداهما عن الأخرى ، بل على أنهما وجهان لحقيقة واحدة . فكأن فكرة الخلق والإيجاد عند ابن عربي فكرة قضى بها المنطق لا طبيعة الوجود . فهي نظرية في العلَّية منطقية لا وجودية . ويمكننا أن نوضح هذه العلاقة المنطقية بين الثالوثين اللذين يمثلان الحقيقة الوجودية على النحو الآتي : الحقيقة الوجودية على نحوين : الأول ، الحق ( الفاعل ) ذات : إرادة : قول الثاني ، الخلق ( القابل ) ذات : سماع امتثال