ابن عربي
134
فصوص الحكم
وتظهر فكرة التثليث المسيحية واضحة كل الوضوح في هذه المسألة وفي كل ما ذكره ابن عربي في الحب ( 1 ) والإنتاج والإيجاد في عالمي الكائنات والمعاني ( 2 ) - وفيما ذكره عن « الكلمة » التي يعتبرها الواسطة في الخلق . ولكنه لم يتأثر بالمسيحية نفسها بقدر ما تأثر بفلسفتها التي وصلته على النحو الذي صاغها فيه مفكر والآباء المسيحيين بالإسكندرية منصبغة إلى حد كبير بأفكار إسلامية أدخلها عليها بعض فلاسفة الإسلام ومتصوفية أمثال الحسين بن منصور الحلاج . ومع هذا كله تختلف فكرة التثليث عند ابن عربي اختلافاً جوهرياً عن نظيرتها في المسيحية ، فإن تثليثه لا يخرج عن كونه اعتبارياً وفي الصفات لا في الأقانيم ، وهو فوق كل هذا حاصل من وجهي الحقيقة الوجودية على السواء . ( 4 ) « كما يقول الآمر الذي يُخاف فلا يعصى لعبده قمْ فيقوم العبد امتثالا لأمر سيده . . . لا من فعل السيد » . هكذا يتصور ابن عربي الخلق - أو بعبارة أدق هكذا يقضي على فكرة الخلق ويعطل الإرادة الإلهية . لا شيء في عالمه يُخْلَق من عدم ، وإنما الخلق إخراج ما له وجود بالفعل في حضرة أخرى من حضرات الوجود إلى حضرة الوجود الخارجي ، أو هو إظهار الشيء في صورة غير الصورة التي كان عليها من قبل . فالعالم عنده حقيقة أزلية دائمة لا تفنى ولا تتغير إلا في صورها . أما ذات العالم أو جوهره فلا يخضع لقانون الكون والفساد . فإذا أراد الله خلق شيء من الأشياء أمره أن يكون فيكون . والكوْن أو التكوُّن من فعل الشيء نفسه لا من فعل الله . بل ليس لله في إيجاد الشيء إلا قوله له « كن » ، كالسيد الذي لا تعْصى أوامره ، يقول لعبده قم فيقوم : فليس للسيد في قيام العبد سوى أمره
--> ( 1 ) يقول : تثلث محبوبي وقد كان واحداً * كما صير الأقنام بالذات أقنما ( 2 ) يقول مثلا إن الاستدلال القياسي قائم على التثليث لأنه يشترط فيه ثلاث قضايا وثلاثة حدود .