ابن عربي
132
فصوص الحكم
إنسان ركيبة تسير به حيث تقتضيها طبيعتها ، وهذا معنى قوله وذلك لاختلاف في المذاهب . ولكن مهما اختلفت مذاهب السير وتعددت وتباينت فإنها تتجه كلها نحو هدف واحد هو الحق . غير أن بعض أصحاب تلك الركائب يسيرون بها في الطريق الحق ويصلون بها إلى الله وهؤلاء هم أهل الكشف والشهود ، وبعضهم يقطعون بها البراري القفرة والصحاري المجدبة التي يتيهون فيها ويحارون لكثرة ما يغْلب عليهم من ظلمات العقل والبدن جميعاً وهؤلاء هم المحجوبون من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم الذين يصفهم بالجنائب أي المبعدين عن الحقائق . قال الشاعر : هواي مع الركب اليمانين مصعد * جنيب وجثماني بمكة موثق وابن عربي أعدل من أن يبخس الناس أشياءهم وينكر على المجتهدين ثمرة اجتهادهم . فالمهتدون القائمون بالحق والضالون في غيابة الجهل في نظره سواء من حيث إن كلًا منهم يتبع في سيره إلى الحق ذلك النور الذي قدِّر له أن يسير فيه - قَلَّ ذلك النور أو عظم - وتنكشف له فتوح الغيب وأسراره ، وليس الغيب إلا الذات الإلهية ، وليست أسرارها إلا الوجود الظاهر . فكل منهم تنكشف له حقائق الغيب وأسراره على نحو يتفق وذلك النور الذي يسير فيه ، وهو إما نور القلب والشهود أو نور العقل والبرهان ، وبذلك يصل إلى الاعتقاد الخاص في الله وهو ما أشرنا إليه في الفص السابق . وهذا هو مجمل البيت الأخير : وكل منهم يأتيه منه * فتوح غيوبه من كل جانب ولا معنى للقول بأن الضمير في « منهم » يعود على القائمين بالحق دون غيرهم . ( 3 ) « اعلم وفقك الله أن الأمر مبني في نفسه على الفردية ولها التثليث . . . وعن هذه الحضرة وجد العالم » . تلعب فكرة التثليث دوراً هاماً جداً في فلسفة ابن عربي : وغريب حقاً أن يكون لها هذا الشأن في تفكير صوفي مسلم ، ولكن صاحبنا خرج على كل مألوف