ابن عربي

121

فصوص الحكم

وإذا كانت شرية الأفعال عرضية فغضب الله من أجلها عرضي أيضاً ( قارن ما قلناه في صدق الوعد لا الوعيد ) . أما أسبقية الرحمة فلأن الله تعالى أوجد بها الأشياء في صور أعيانها الثابتة على نحو ما ظهرت عليه في وجودها ، وقبل أن يوجد تمييز بين خير وشر أو طاعة ومعصية . ( 3 ) « إذا دان لك الخلق * فقد دان لك الحق » الأبيات الحق والخلق ، أو الوحدة والكثرة - وفي الإنسان اللاهوت والناسوت - وجها الحقيقة الوجودية كما أسلفنا شرحه . فإن خضع جانب الخلق في أي مخلوق لتصرف الإنسان ، خضع تبعاً له جانب الحق في ذلك المخلوق ، لأن في كل خلق وجهاً من وجوه الحق . ولكن إذا خضع جانب الحق في أي موجود متعين فليس من الضروري أن يخضع الخلق في جملته لأن الحق المذعن لا ينحصر في الوجه الذي تجلى به لك وأذعن . فليس من الضروري أن تنقاد الخلائق الأخرى لأن تجليات الحق فيهم بحكم مجاليهم . فقد يخالف وجهه الذي تجلى به لك الوجوه التي تجلى بها لهم . وقد ذهب جامي ( ج 2 ص 64 ) إلى أن المراد بالحق مرتبة الجمع والمراد بالخلق مرتبة الفرق : أي أننا إذا نظرنا إلى الكثرة ( الخلق ) لزم أن ننظر إلى الوحدة التي تضمها جميعاً ( الحق ) وهذه الوحدة هي الذات الإلهية . أما إذا نظرنا إلى الوحدة فقد لا نفكر مطلقاً في الكثرة التي تتجلى فيها . « فما في الكون موجود * تراه ما له نطق » إما أن نفهم هذا بمعنى أن كل موجود ينطق بتسبيح الله وتقديسه من حيث إنه مجلى من مجالي الحق ومظهر من مظاهر كماله كما قال تعالى : « وإِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » . أو نفهم النطق بمعنى التفكير والتعقل : أي فليس في الكون إلا ما فيه فكر وعقل مهما اختلفت درجات