ابن عربي

116

فصوص الحكم

التي ظهر فيها . أي أن العالم - أو ما سوى الحق - معلول في صورته لا في ذاته ، إذ ذاته هي ذات الحق . فهو من هذه الناحية مفتقر افتقاراً كلياً إلى الله ، أو بعبارة أدق إلى الأسماء الإلهية ، لأنها هي التي تعطي الوجود الخارجي صُوَره بتجليها فيه . ولذا قال : « ولا سببية للحق يفتقر العالم إليها سوى الأسماء الإلهية » . فالعالم مفتقر في وجوده إلى الله بهذا المعنى إذ لا وجود له من ذاته ، وقد وهم من أثبت له وجوداً غير وجود الحق ، كما وهم من أثبت للظل وجوداً غير وجود العين التي امتد منها الظل . ولكن للعالم افتقاراً آخر بعضه إلى بعض ، وهو الافتقار النسبي . وذلك أن الموجودات يتصل بعضها ببعض داخل العالم اتصالا علياً ويؤثر بعضها في بعض ويتأثر به . فهناك إذن نوعان من المعلولية : معلولية العالم في جملته : ومعلولية أجزاء العالم بافتقار بعضها إلى بعض . ولكن إذا أدركنا أن مذهباً كمذهب ابن عربي يرجع كل ما هو فعل وعلية إلى الحق ، وكل ما هو انفعال وقبول ومعلولية إلى الخلق ، عرفنا أن ذلك الافتقار النسبي ليس إلا اسماً على غير مسمى ، وأن الفاعل على الإطلاق والعلة على الإطلاق هي الحق . أما الحق فإن نظرنا إلى ذاته قلنا إنه غني على الإطلاق ، وإن نظرنا إليه من حيث أسماؤه قلنا إنه مفتقر إلى العالم في إظهار كمالات هذه الأسماء . . . وهذا معنى قوله : فالكل مفتقر ما الكل مستغني * هذا هو الحق قد قلنا لا نكني ( الفص الأول ) غير أن العالم أيضاً قد يوصف بالغناء بمعنى أن بعض أجزائه مستغن عن البعض الآخر من وجه وإن كان مفتقراً إليه من وجه آخر . فالعالم ( أي بعض أجزائه ) يوصف بالغناء في الوجه الذي لا تكون به حاجة إلى غيره . وهذا معنى قوله « واتصف العالم بالغناء : أي بغناء بعضه عن بعض من وجه ما هو عين ما افتقر إلى بعضه به »