ابن عربي
102
فصوص الحكم
طبيعتهما ، استحال التكرار لاستحالة اتفاق أعيان الموجودات في أحوالها . فوجود الحق في صور الموجودات أشبه بوجود الإنسانية في أفراد الإنسان . فزيد إنسان وعمرو إنسان وبكر إنسان ، « وما عادت الإنسانية إذ لو عادت لتكثرت ، وهي حقيقة واحدة والواحد لا يتكثر في نفسه » . ( قارن الفص الثاني : التعليق التاسع ) وإذا فهمنا الجزاء بمعنى ما يجنيه الإنسان ثمرة لعمله ، خيراً كان ذلك أو شراً ، كان فيه معنى العوْد - أي أنه عاد عليه ما تقتضيه حاله مما سماه العرف في الخير ثواباً وفي الشر عقاباً - ولم يكن فيه معنى التكرار ، لأن جزاء كل إنسان خاص به قاصر عليه . ولما كان الجزاء لا يلاحظ فيه معنى العِوَض ، بل هو ضرورة تقضي بها طبيعة الأشياء قال : ( 5 ) « فإنها من سر القدر المتحكم في الخلائق » . أي فإن مسألة « الجزاء » جزء من القانون العام المتحكم في الخلق : وهو الذي يسميه سر القدر . ومعناه - كما قلنا من قبل ( التعليق الثاني والثالث على الفص الثاني ) أن ما كنت عليه في ثبوتك ظهرت به في وجودك . وليس ما تظهر به في وجودك سوى ما يعطيك الله إياه . وهكذا ندور في هذه الدائرة المغلقة التي يدور فيها ابن عربي في جميع تفكيره - وننتهي إلى النتيجة الحتمية الآتية : وهي أن الجزاء بالمعنى الديني لا وجود له في قاموس مصطلحاته . فلا مجازي يعطي الجزاء مراعياً عمل العبد واستحقاقه ، ولا مجازىً يعطَى ما يعطاه من أجل عمله واستحقاقه . ( 6 ) « والحق على وجهين في الحكم في أحوال المكلفين » . قد شرح المؤلف بعض نواحي هذه المسألة فيما سبق من هذا الفص ، وفي الفص الخامس حيث قرر أن الإنسان ( بل كل موجود ) هو الذي يعين مصير نفسه ويجلب لها السعادة أو الشقاء ، وأن كل ما يترتب على أفعاله من حمد أو ذم راجع إلى عينه الثابتة التي اقتضت ظهور هذه الأفعال عنه من الأزل .