ابن عربي

103

فصوص الحكم

أما هنا فتعالج هذه المسألة مرة أخرى ، ولكن من وجهة نظر الأديان - أي من ناحية تكليف العبد وحكم الله على أفعاله . يقول : للحق وجهان في الحكم على أحوال وأعمال المكلفين : الوجه الأول الحكم عليها من ناحية الإرادة الإلهية ، والوجه الثاني الحكم عليها من ناحية الأمر الإلهي . والأول هو الحكم الإرادي والثاني الحكم التكليفي . فا لله يأمر العبد بأن يفعل كيت وكيت أو ينهاه عن فعل كيت وكيت ، ويريد في الوقت نفسه أن هذه الأوامر والنواهي يطيعها بعض الناس ويعصاها البعض الآخر . ولا غضاضة في مذهب ابن عربي أن نقول إن الله يريد وقوع المعصية : ذلك لأن الإرادة الإلهية تتعلق بالفعل بحسب ما يقتضيه علم الحق بذلك الفعل وفاعله ، ويتعلق علم الحق بالفاعل بحسب ما يعطيه المعلوم من ذاته . فا لله لا يعلم إلا ما هو واقع لا محالة ، وهو لا يريد إلا ما يعلم . بهذا المعنى يقول ابن عربي إن كل إنسان يطيع الإرادة الإلهية لأنه لا يفعل من الأشياء إلا ما كان متفقاً مع الإرادة الإلهية . وكان الأوْلى به أن يقول إن الإرادة الإلهية تطيع أفعال العباد وتخضع لها ، لأن الله لا يريد فعلا - طاعة كان أو معصية - إلا إذا كان ذلك الفعل متحقق الوقوع ، وكان مما تقضي به طبيعة الفاعل ذاتها . ولكن ليس كل إنسان يطيع الأمر الإلهي الذي هو الأمر التكليفي : فإن أتى فعل العبد مطابقاً لما أُمر به أو نهي عنه سمي ذلك منه طاعة ، وإن خالف ما أُمر به أو نُهي عنه سمي معصية . وعلى ذلك كان كفر فرعون ومعاصي العباد جميعاً في اتفاق تام مع ما أراده الله وما علمه أزلا ، لا يختلفون في ذلك مطلقاً عمن أتت أفعالهم موافقة لأوامر الدين . وخلاصة القول أن أفعال العباد لا توصف في ذاتها بأنها طاعة أو معصية : خير أو شر ، بل هي أفعال تقضي بها طبيعة الوجود : وإنما تدخل في دائرة تلك الأحكام لسبب عارض وهو تطبيق المعايير الدينية أو الأخلاقية عليها .