ابن عربي

100

فصوص الحكم

يصح أن تفهم هذه الجملة على أحد الوجهين الآتيين : الأول : أن التعظيم المطلوب منهم لما شرعوه إنما طلب على غير الطريقة المعروفة في إرسال الرسل : لأن هؤلاء إنما يكون تعظيمهم لما أتوا به بعد ظهور المعجزة على أيديهم - وهذا هو المشار إليه بالتعريف الإلهي : أي تعريف الله الناس بهم . الوجه الثاني : أن ما شرعوه إنما كان على غير الطريقة النبوية المعروفة : أي أنه شيء غير ما جاءت به الرسل وزائد عليه . وذلك كصوم الدهر والإقلال من الطعام والخلوة وكثرة الذكر وعدم الاختلاط بالناس وما شاكل ذلك . وهذا الوجه هو الأقرب إلى المراد . أما عن الرهبانية فلسنا بحاجة إلى أن نذهب بعيداً لنعرف موقف الإسلام منها ، فسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة صحابته والتابعين مثال واضح لحياة رجال زهدوا في الدنيا ولكنهم لم يهجروها ، وعبدوا الله ولكنهم لم ينقطعوا إليه ، وأحلوا الطيبات من الرزق ولم يحرموها . أخذوا بفضيلة الوسط فلم يفرطوا ولم يفرَّطوا . وفي أقوال النبي لعثمان بن مظعون الذي ترهبن في زمنه أعظم شاهد على ما نقول ( راجع تلبيس إبليس ص 219 - 220 ) . وقد وردت في الرهبانية آية : « ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ الله فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ » ( س 57 آية 28 ) وورد الحديث : « لا رهبانية في الإسلام » . أما الحديث فيقال إنه وضع في القرن الثالث الهجري تأييداً للآية وحسماً للنزاع في معناها . وأما الآية فاختلف فيها المفسرون والقراء . فمنهم من رأى فيها معنى التحريم كالزمخشري ، ومنهم من رأى الإباحة كابن مجاهد والجنيد الصوفي . ولكن الرأي الغالب عند علماء المسلمين هو الأول . ويكفي النص على أن الرهبانية بدعة ليكسبها معنى التحريم أو الكراهية .