ابن عربي

99

فصوص الحكم

في حقيقة الأمر عوضاً يعطيه الحق للعبد على أفعاله ، ولكنه تجلي الحق في مرآة وجوده ، أو تجليه في صور وجود العالم . فهو يعطي هذه الصور التي يتجلى فيها مظاهِرَها الوجودية المختلفة - لا على سبيل العوض ، ولا إثابة على طاعة أو عقاباً على معصية ، بل لأن ذواتها أو أعيانها الثابتة قد اقتضته أن يعطيها ما يعطيها . فإذا ظهرت هذه الذوات بمظهر يستحق الذم فهي المذمومة وهي التي جلبت الذم على نفسها ، وإن ظهرت بمظهر يستحق الحمد فهي المحمودة وهي التي جلبت الحمد على نفسها . ولهذا قال : « فلا يعود على الممكنات من الحق إلا ما تعطيه ذواتهم في أحوالها » . . . ثم قال في العبد : « فلا يذمن إلا نفسه ولا يحمدن إلا نفسه » . فالجزاء بمعناه الحقيقي هو كل ما يعطيه الحق من نفسه للوجود بحسب طبيعة الموجود . هذا هو الدين العام الذي يقول به ابن عربي ، وهذا هو القانون الأعلى الذي يخضع له الوجود في نظره . وفي هذا أيضاً تظهر جبريته الصارخة التي فصلنا القول فيها فيما سبق . وقد قضى فيها لا على معنى الدين فحسب ، بل على معنى الثواب والعقاب كذلك . ( 2 ) « ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها » وهي النواميس الحكمية . . . في العرف » . يذهب كل من القاشاني والقيصري إلى أن قوله « بالطريقة الخاصة » متعلق بابتدعوها : أي أنهم ابتدعوا الرهبانية بوضع طريقة خاصة معلومة في العرف كطريقة التصوف عند المسلمين ، وطريقة الرهبنة عند المسيحيين . وأنا أفضل أن يكون الجار والمجرور متعلقاً بقوله « يجيء » اي لم يجيء الرسول بهذه النواميس الحكمية من عند الله بالطريقة الخاصة المعلومة في العرف . وهذه الطريقة الخاصة هي أن الرسول يدعي أنه آت برسالة من عند الله ثم يؤيد هذه الدعوى بالمعجزة . ( 3 ) « جعل في قلوبهم تعظيم ما شرعوه - يطلبون بذلك رضوان الله - على غير الطريقة النبوية المعروفة بالتعريف الإلهي » .