ابن عربي

71

فصوص الحكم

عقولهم وروحانيتهم فإنها غيب . « ونَهاراً » دعاهم أيضاً من حيث ظاهر ( 1 ) صورهم وحِسِّهم ، وما جمع في الدعوة مثل « لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ » فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادهم فراراً . ثم قال عن نفسه إنه ( 2 ) دعاهم ليغفر لهم ، لا ليكشف لهم ، وفهموا ذلك منه صلى الله عليه وسلم . لذلك « جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ » وهذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبيك . ففي « لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ » إثبات المثل ونفيه ، وبهذا قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم إنه أوتي جوامع الكلم . فما دعا محمد صلى الله عليه وسلم قوَمه ليلًا ونهاراً ، بل دعاهم ليلًا في نهار ونهاراً في ليل . فقال نوح في حكمته لقومه : « يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً » وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري ، « ويُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ » أي بما ( 3 ) يميل بكم إليه فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه . فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرف ، ومن عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف . فلهذا انقسم الناس إلى غير عالِم وعالِم . « ووَلَدُه » وهو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري . والأمر موقوف علمه على المشاهدة بعيد عن نتائج الفكر . « إِلَّا خَساراً ، فما ربحت تجارتهم » فزال عنهم ما كان في أيديهم مما كانوا يتخيلون أنه ملك لهم : وهو في المحمديِّين « وأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه » ، وفي نوح « أَلَّا تَتَّخِذُوا من دُونِي وَكِيلًا » فأثبت المُلْكَ لهم والوكالة لله فيهم . فهم مستخلفون فيه ( 4 ) . فالملك لله وهو وكيلهم ، فالملك لهم وذلك ملك الاستخلاف . وبهذا كان الحق تعالى ( 5 ) مالك ( 6 ) الملك كما قال الترمذي رحمه الله . « ومَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً » ، لأن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعوِّ

--> ( 1 ) ب : ظواهر ( 2 ) ا : إذ ( 3 ) ب : ما ( 4 ) أم ن : فيهم ( 5 ) ب م ن : ساقطة ( 6 ) ب : ملك .