ابن عربي

72

فصوص الحكم

لأنه ما عَدِمَ من البداية فيدعي إلى الغاية . « أَدْعُوا إِلَى الله » فهذا عين المكر ، « عَلى بَصِيرَةٍ » فنبَّه أن الأمر له كله ، فأجابوه ( 1 ) مكراً كما دعاهم . فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هي من حيث هويته وإنما هي من حيث أسماؤه فقال : « يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً » فجاء بحرف الغاية وقرنها بالاسم ، فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة اسمٍ إلهي أوجب عليهم أن يكونوا متقين . فقالوا في مكرهم : « وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ وَدًّا ولا سُواعاً ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً » ، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء ، فإن للحق في كل معبود وجهاً يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله . في المحمديين : « وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه » أي حكم . فالعالم يعلم من عُبِدَ ، وفي أي صورة ظهر حتى عبدَ ، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية ، فما عُبدَ غير الله في كل معبود . فالأدنى من تخيل فيه الألوهية ، فلو لا هذا التخيل ما عبد الحجر ولا غيره . ولهذا قال ( 2 ) : « قُلْ سَمُّوهُمْ » ، فلو سموهم لسموهم حجارة ( 3 ) وشجراً وكوكباً . ولو قيل لهم من عبدتم لقالوا إلهاً ما كانوا يقولون الله ولا الإله . والأعلى ما تخيل ( 4 ) ، بل قال هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر . فالأدنى صاحب التخيل يقول : « ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى » والأعلى العالم يقول : « فَإِلهُكُمْ إِله واحِدٌ فَلَه أَسْلِمُوا » حيث ظهر « وبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ » الذين خبَتْ نار طبيعتهم ، فقالوا إلهاً ولم يقولوا طبيعة ، « وقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً » ، أي حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب . « ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ »

--> ( 1 ) ب : فأجابوا ( 2 ) ا : اللَّه تعالى ( 3 ) ب م ن : حجراً ( 4 ) ا : + فيه الألوهية .