ابن عربي
62
فصوص الحكم
ليعلم المتجلَّى له أنه ( 1 ) ما رآه . وما ثَمَّ مثال أقرب ولا أشبَه بالرؤية والتجلي من هذا . وأجهد في نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرْم المرآة لا تراه أبداً البتة حتى إِن بعض من أدرك مثل هذا في صور ( 2 ) المرايا ذهب إِلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة . هذا أعظم ما قَدَرَ عليه من العلم ، والأمر كما قلناه وذهبنا إِليه . وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإِذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق . فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في ( 3 ) أعلى من هذا الدرج ( 4 ) فما هو ثَمَّ أصلًا ، وما بعده إِلا العدم المحض . فهو مرآتك في رؤيتك نفسك ، وأنت مرآته في رؤيته ( 5 ) أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه . فاختلط الأمر وانبهم : فمنا من جهل في علمه فقال : « والعجز عن درك الإدراك إِدراك ، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول ، بل أعطاه العلمُ السكوتَ ، ما أعطاه العجز . وهذا هو أعلى عالمٍ با لله . وليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء ، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم ، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي ( 6 ) الخاتم ، حتى أن الرسل لا يرونه - متى رأوه - إِلا من مشكاة خاتم الأولياء : فإِن الرسالة والنبوة - أعني نبوة التشريع ، ورسالته - تنقطعان ، والولاية لا تنقطع أبداً . فالمرسلون ، من كونهم أولياء ، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء ، فكيف من دونهم من الأولياء ؟ وإِن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع ، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه ، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى . وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد
--> ( 1 ) ب : إِنما ( 2 ) ب : صورة ( 3 ) ن : ساقطة ( 4 ) ن : في الأصل المرقى ، صححت إِلى الدرج في الهامش ( 5 ) ن : رؤيتك ( 6 ) ب : خاتم الولي .