ابن عربي

210

فصوص الحكم

فإن له حداً يقف عنده إذا جاوزه ( 1 ) صاحب الكشف واليقين . ولهذا جاء موسى في الجواب ( 2 ) بما يقبله الموقن والعاقل خاصة . « فَأَلْقى عَصاه » ، وهي صورة ما عَصَى به فرعونُ موسى في إبائه عن إجابة دعوته ، « فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ » أي حيَّة ظاهرة . فانقلبت المعصية التي هي السيئة طاعة أي حسنة كما قال « يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ » يعني في الحكم . فظهر الحكم هنا عيناً متميزة في جوهر واحد . فهي العصا وهي الحية والثعبان الظاهر ، فالتقم أمثاله من الحيَّات من كونها حية والعصيَّ من كونها عصاً . فظهرت ( 3 ) حجة موسى على حجج فرعون في صورة عِصيّ وحيات وحبال ، فكانت للسحرة الحبال ( 4 ) ولم يكن لموسى حبل . والحبل التل الصغير : أي مقاديرهم بالنسبة إلى قدر موسى بمنزلة الحبال من الجبال الشامخة . فلما رأت السحرة ذلك علموا رتبة موسى في العلم ، وأن الذي رأوه ليس من مقدور البشر : وإن كان من مقدورا لبشر فلا يكون إلا ممن له تميز ( 5 ) في العلم المحقَّق عن التخيل والإيهام . فآمنوا برب العالمين رب موسى وهارون : أي الرب الذي يدعو إليه موسى وهارون ، لعلمهم بأن القوم يعلمون أنه ما دعا لفرعون . ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت ، وأنه الخليفة بالسيف - وإن جار في العرف الناموسي - لذلك قال « أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى » : أي وإن كان الكل أرباباً بنسبة ما ( 6 ) فأنا الأعلى منهم بما أُعْطِيته في الظاهر من التحكم فيكم . ولما علمت السحرة صدقه في مقاله لم ينكروه وأقروا له بذلك فقالوا له : إنما تقضي هذه الحياة الدنيا

--> ( 1 ) ب : حاوره ( 2 ) ب : بالجواب ( 3 ) ا : فظهر ( 4 ) ب : الجبال ( 5 ) ب : تمييز ( 6 ) ب : بنسبة ما وإضافة لمن ير به : ولعل هذه الإضافة مقتبسة من شرح القاشاني لأنها واردة فيه .