ابن عربي
211
فصوص الحكم
فاقض ما أنت قاض ( 1 ) ، فالدولة لك ( 2 ) . فصح قوله « أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى » . وإن كان عين ( 3 ) الحق فالصورة لفرعون . فقطع الأيدي والأرجل وصلب بعين حق في صورة باطل لنيل مراتب لا تنال إلا بذلك الفعل . فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأن الأعيان الثابتة اقتضتها ، فلا تظهر في الوجود إلا بصورة ما هي عليه في الثبوت إذ لا تبديل لكلمات الله . وليست كلمات الله سوى أعيان الموجودات ، فينسب إليها القدم من حيث ثبوتها ، وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها وظهورها . كما تقول حدث عندنا اليوم إنسان أو ضيف ، ولا يلزم من حدوثه أنه ما ( 4 ) كان له وجود قبل هذا الحدوث . لذلك ( 5 ) قال تعالى في كلامه العزيز أي في إتيانه مع قدم كلامه « ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوه وهُمْ يَلْعَبُونَ » : « ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْه مُعْرِضِينَ » . والرحمن ( 6 ) لا يأتي إلا يأتي إلا بالرحمة . ومن أعرض عن الرحمة استقبل العذاب الذي هو عدم الرحمة . وأما قوله « فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِه » إلا قوم يونس ، فلم يدل ذلك على أنه لا ينفعهم في الآخرة لقوله ( 7 ) في الاستثناء إلا قوم يونس ، فأراد أن ذلك لا يرفع عنهم الأخذ في الدنيا ، فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه . هذا إن كان أمره أمر ( 8 ) من تيقن بالانتقال في تلك الساعة . وقرينة الحال تعطي أنه ما كان على يقين من الانتقال ، لأنه عاين المؤمنين يمشون في الطريق اليَبَس الذي ظهر بضرب موسى بعصاه البحر . فلم يتيقن فرعون بالهلاك إذ آمن ، بخلاف
--> ( 1 ) الآية معكوسة وأصلها « فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ، إِنَّما تَقْضِي هذِه الْحَياةَ الدُّنْيا » ( قرآن سورة طه آية 75 ) ( 2 ) ب : له ( 3 ) ب : غير ( 4 ) ا : ساقطة ( 5 ) ب : ولذلك ( 6 ) « ا » و « ن » : والرحمة ( 7 ) « ا » و « ب » : بقوله ( 8 ) ن : ساقطة