ابن عربي

158

فصوص الحكم

فهو تعالى مع نفسه حيثما مشى ( 1 ) بنا من صراطه . فما أحد من العالم الا على صراط مستقيم ، وهو صراط الرب تعالى . وكذا عَلِمَتْ بلقيس من سليمان فقالت « لِلَّه رَبِّ الْعالَمِينَ » وما خصصت عالماً من عالم . وأما التسخير الذي اختص به سليمان وفَضَل به غيره وجعله ( 2 ) الله له من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده فهو كونه عن أمره . فقال « فَسَخَّرْنا لَه الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِه » . فما هو من كونه تسخيراً ، فإن الله يقول في حقنا كلنا من غير تخصيص « وسَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وما في الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه » . وقد ذكر تسخير الرياح والنجوم وغير ذلك ولكن لا عن أمرنا بل عن ( 3 ) أمر الله . فما اختص سليمان - إن عقلت - إلا بالأمر من غير جمعية ولا همة ، بل بمجرد الأمر . وإنما قلنا ذلك لأنا نعرف أن أجرام العالم تنفعل لهمم ( 4 ) النفوس إذا أُقيمت في مقام الجمعية . وقد عاينا ذلك في هذا الطريق . فكان من سليمان مجرد التلفظ بالأمر لمن أراد تسخيره من غير همة ولا جمعية . واعلم أيدنا الله وإياك بروح منه ، أن مثل هذا العطاء إذا حصل للعبد أي عبد كان فإنه لا ينقصه ( 5 ) ذلك من ملك آخرته ، ولا يحسب عليه ، مع كون سليمان عليه السلام طلبه من ربه تعالى . فيقتضي ذوق الطريق أن يكون قد عُجِّل له ما ادُّخر ( 6 ) لغيره ويحاسبُ به إذا أراده في الآخرة . فقال الله له « هذا عَطاؤُنا » ولم يقل لك ولا لغيرك ، « فَامْنُنْ » أي أعط « أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ » . فعلمنا من ذوق الطريق أن سؤاله ذلك كان عن أمر ربه . والطلب إذا وقع عن الأمر الإلهي كان الطالب ( 7 ) له الأجر التام على طلبه . والباري تعالى إن شاء قضى حاجته فيما طلب ( 8 ) منه وإن شاء

--> ( 1 ) ن : ما شاء مشى ( 2 ) ا : وجعل ( 3 ) ن : ساقطة ( 4 ) ا : لهم ( 5 ) ب : ساقطة ( 6 ) ا : ما ادخره ( 7 ) ن : للطالب وله ( 8 ) ا : طلبه