ابن عربي
159
فصوص الحكم
أمسك ، فإن العبد قد وفّى ما أوجب الله عليه من امتثال أمره فيما سأل ربه فيه ، فلو سأل ذلك من نفسه عن غير أمر ربه له بذلك لحاسبه به . وهذا سار في جميع ما يسأل فيه الله تعالى ، كما ( 1 ) قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم « قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » . فامتثل أمر ربه فكان يطلب الزيادة من العلم حتى كان إذا سيق له لبن ( 2 ) يتأوله ( 3 ) علماً كما تأول رؤياه لما رأى في النوم أنه أوتي بقدح لبن فشربه وأعطى فضله عمر بن الخطاب . قالوا فما أوَّلتَه قال العلم . وكذلك لما أُسْرِيَ ( 4 ) به أتاه الملك بإناء فيه لبن وإناء فيه خمر فشرب اللبن فقال له المَلَك أصبت الفطرة أصاب الله بك أمتك . فاللبن متى ظهر فهو صورة العلم ، فهو العلم تمثل في صورة اللبن كجبريل تمثل ( 5 ) في صورة بشر سويٍ لمريم . ولما قال عليه السلام « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ( 6 ) » نبَّه على أنه كل ما يراه الإنسان في حياته الدنيا إنما هو بمنزلة الرؤيا للنائم : خيال فلا بد من تأويله . إنما الكون خيال * وهو حق في الحقيقة والذي يفهم هذا * حاز أسرار الطريقة فكان صلى الله عليه وسلم إذا قدَّم له لبن قال « اللهم بارك لنا فيه وزدنا ( 7 ) منه » لأنه كان يراه صورة العلم ، وقد أُمِرَ بطلب الزيادة من العلم ، وإذا قدم له غير اللبن قال اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا ( 8 ) خيراً منه . فمن أعطاه الله ما أعطاه بسؤال عن أمر إلهي فإن الله لا يحاسبه به في الدار الآخرة ، ومن أعطاه الله ما أعطاه بسؤال عن غير أمر إلهي فالأمر فيه إلى الله ، إن شاء حاسبه وإن شاء
--> ( 1 ) « ن » و « ب » : وكما ( 2 ) ا : لبناً ( 3 ) « ب » و « ن » : يتناوله ( 4 ) ا : سرى ( 5 ) ب : ساقطة ( 6 ) ب : تنبهوا ( 7 ) ساقطة في ب . ( 8 ) ساقطة في ب .