ابن عربي
141
فصوص الحكم
عيسى لا يحيي الموتى إلا حتى يطهر في تلك الصورة الطبيعية النورية لا العنصُرية مع الصورة البشرية من جهة أمه . فكان يقال فيه عند إحيائه الموتى هو لا هو ، وتقع الحيرة في النظر إليه كما وقعت في العاقل عند النظر الفكريِّ إذا رأى شخصاً بشرياً من البشر يحيي الموتى ، وهو من الخصائص الإلهية ، إحياء النطق لا إحياء الحيوان ، بقي الناظر حائراً ، إذ يرى الصورة بشراً بالأثر ( 1 ) الإلهي . فأدى بعضهم فيه إلى القول بالحلول ، وأنه هو الله بما أحيا به من الموتى ، ولذلك نُسبوا إلى الكفر وهو الستر لأنهم ستروا الله الذي أحيا الموتى بصورة بشرية ( 2 ) عيسى . فقال تعالى « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ » فجمعوا بين الخطأ والكفر ( 3 ) في تمام الكلام كله لأنه ( 4 ) لا بقولهم هو الله ، ولا بقولهم ابن مريم ، فعدلوا بالتضمين من الله من حيث إحياء ( 5 ) الموتى إلى الصورة الناسوتية البشرية بقولهم ابن مريم وهو ابن مريم بلا شك . فتخيل السامع أنهم نسبوا الألوهية ( 6 ) لصورة وجعلوها عين الصورة وما فعلوا ، بل جعلوا الهوية ( 7 ) الإلهية ابتداء في صورة بشرية هي ابن مريم ، ففصلوا بين الصورة والحكم ( 8 ) ، لا ( 9 ) أنهم جعلوا الصورة عين الحكم كما كان جبريل في صورة البشر ولا نفخ ، ثم نفخ ، ففصل بين الصورة والنفخ وكان ( 10 ) النفخ من الصورة ، فقد كانت ولا نفخ ، فما هو النفخ من حدها الذاتي . فوقع الخلاف بين أهل الملل في
--> ( 1 ) ن : والأثر إلهياً ( 2 ) « ا » و « ن » : بشرة ( 3 ) ا : ساقطة . ( 4 ) الضمير في « لأنه » عائد على الجمع بين الخطأ والكفر . فالمعنى أن الجمع بين الخطأ والكفر لم يكن بقولهم إن المسيح هو اللَّه أو إنه ابن مريم . وجميع الشراح عدا جامي والقيصري يسقط « لأنه » فالمعنى على إسقاطها أنهم جمعوا بين الخطأ والكفر لا بقولهم إن المسيح هو اللَّه أو إنه ابن مريم - بل بشيء آخر سنذكره بعد ( راجع جامي ج 2 ص 164 والقيصري ص 256 ) ( 5 ) ن : حيث أحيا ( 6 ) ب : الألوهة ( 7 ) ا : ألوهية ( 8 ) المراد بالحكم هنا المحكوم عليه ( 9 ) « ب » و « ن » : إلا أنهم ( 10 ) ا : وإن كان .