ابن عربي

142

فصوص الحكم

عيسى ما هو ؟ فمَنْ نَاظَرَ فيه من حيث صورته الإنسانية البشرية فيقول هو ابن مريم ، ومن ناظر فيه من حيث الصورة الممثلة البشرية فينسبه ( 1 ) لجبريل ، ومن ناظر فيه من حيث ما ظهر عنه من إحياء الموتى فينسبه إلى الله بالروحية ، فيقول روح الله ، أي به ظهرت الحياة فيمن نفخ فيه . فتارة يكون الحق فيه متوهَّماً - اسم مفعول - وتارة يكون المَلَكُ فيه متوهماً ، وتارة تكون البشرية ( 2 ) الإنسانية ( 3 ) فيه متوهمة : فيكون عند كل ناظر بحسب ما يغلب عليه . فهو كلمة الله وهو روح الله وهو عبد الله ، وليس ذلك في الصورة الحسية لغيره ، بل كل شخص منسوب إلى أبيه الصوري لا إلى النافخ روحه في الصورة البشرية . فإن الله إذا سوَّى الجسم الإنساني كما قال تعالى « فَإِذا سَوَّيْتُه » نفخ فيه هو تعالى من روحه فنسب الروح في كونه وعينه إليه تعالى . وعيسى ليس كذلك ، فإنه اندرجت تسوية جسمه وصورته البشرية بالنفخ الروحي ، وغيره كما ذكرناه لم يكن مثله . فالموجودات كلها كلمات الله التي لا تنفد ( 4 ) ، فإنها عن « كن » وكن كلمة الله . فهل تنسب الكلمة إليه بحسب ما هو عليه فلا تعلم ماهيتها ، أو يَنْزِل هو تعالى إلى صورة من يقول « كن » فيكون قول كن حقيقة لتلك الصورة التي نَزَل إليها وظهر فيها ؟ فبعض العارفين يذهب إلى الطرف الواحد ، وبعضهم ( 5 ) إلى الطرف الآخر ، وبعضهم يحار في الأمر ولا يدري . وهذه مسألة لا يمكن أن تُعْرَف إلا ذوقاً كأبي يزيد ( 6 ) حين نفخ في النملة التي قتلها فحييت فعلم عند ذلك بمَنْ ينفخ فنفخ فكان عيسوي المشهد . وأما الإحياء المعنوي بالعلم فتلك الحياة الإلهية الدائمة ( 7 ) العليَّة النورية التي

--> ( 1 ) ا : فنسبه ( 2 ) ن : البشرة ( 3 ) ت : الأنسية ( 4 ) ا : تنفذ بالذال ( 5 ) ن : وبعضهم يذهب ( 6 ) ا : أبي يزيد رحمه اللَّه تعالى و « ب » : أبي يزيد البسطامي . ( 7 ) ن : الدايمة العلية - ب : الإلهية الذاتية العلية .