ابن عربي
100
فصوص الحكم
فيجوزُ العابرُ من هذه الصورة التي أبصرها النائم إلى صورة ما هو الأمر عليه إن أصاب كظهور العلم في صورة اللبن . فعبَّر في التأويل من صورة اللبن إلى صورة العلم فتأوَّلَ أي قال : مآل ( 1 ) هذه الصورة اللبنية إلى صورة العلم . ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أُوحي إليه أُخِذَ عن المحسوسات المعتادة فسجي ( 2 ) وغاب عن الحاضرين عنده : فإذا سُرِّي عنه رُدَّ . فما أدركه إلا في حضرة الخيال ، إلا أنه لا يسمى نائماً . وكذلك إذا تمثل له المَلَك رجلًا فذلك من حضرة الخيال ، فإنه ليس برجل وإنما هو ملك ، فدخل في صورة إنسان . فعبَّره ( 3 ) الناظر العارف حتى وصل إلى صورته الحقيقية ، فقال هذا جبريل أتاكم يعلمكم ( 4 ) دينكم . وقد قال لهم ردوا عليَّ الرجل فسماه بالرجل من أجل الصورة التي ظهر لهم فيها . ثم قال هذا جبريل فاعتبر ( 5 ) الصورة التي مآل هذا الرجل المتخيل إليها . فهو صادق في المقالتين : صدق للعين ( 6 ) في العين الحسِّية ، وصدق في أن هذا جبريل ، فإنه جبريل بلا شك . وقال يوسف عليه السلام : « إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ » : فرأى إخوته في صورة الكواكب ورأى أباه وخالته في صورة الشمس والقمر . هذا من جهة يوسف ، ولو كان من جهة المرئي لكان ظهور إخوته في صورة الكواكب وظهور أبيه وخالته في صورة الشمس والقمر مراداً لهم . فلما لم يكن لهم علم بما رآه يوسف كان الإدراك من يوسف في ( 7 ) خزانة خياله ، وعَلِمَ ذلك يعقوب حين قصها عليه فقال : « يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً » ثم برأ
--> ( 1 ) ساقطة في ب ( 2 ) كما يسجى الميت أي يمد عليه ثياب ( 3 ) اون : فعبر ( 4 ) ب : ليعلمكم ( 5 ) ن : واعتبر ( 6 ) أي لمشاهدة العين . ب : العين ( 7 ) ن : من .