السيد محمد سعيد الحكيم

606

فاجعة الطف (أبعادها، ثمراتها، توقيتها)

ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض « 1 » وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض « 2 » ، وخلوتم بالدعة « 3 » ، ونجوتم بالضيق من السعة « 4 » ، فمججتم ما وعيتم « 5 » ، ودسعتم الذي تسوغتم « 6 » ، ف - إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ « 7 » . ألا وقد قلت ما قلت هذا على معرفة مني بالجذلة التي خامرتكم « 8 » والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنها فيضة النفس ، ونفثة الغيظ ، وخور القناة « 9 » وبثة الصدر ، وتقدمة الحجة .

--> ( 1 ) يعني : ركنتم إلى لين العيش وسعته ، بدلًا من متاعب الجهاد وإنكار المنكر . ( 2 ) تريد عليها السلام إبعادهم أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) عن الخلافة وإدارة أمور المسلمين . ( 3 ) خلا بالشيء : انفرد به ولم يخلط به غيره . والدعة الراحة والسكون وخفض العيش . ( 4 ) النجاء الخلاص والإسراع . وعليه يتعين كون المراد بالضيق ضيق المسؤولية الإلهية نتيجة التقصير في أداء الواجب ، وبالسعة الثواب الإلهي نتيجة أداء الواجب . فيرجع إلى أنهم استبدلوا سخط الله تعالى برضاه . وفي بعض النسخ : « ونجوتم من الضيق بالسعة » فيكون المراد بالضيق ضيق الجهاد وكلفته ، وبالسعة الراحة في ترك الجهاد . ( 5 ) مج الماء من فمه رمى به . وتشبيهاً بذلك يقال : « هذا كلام تمجه الأسماع » أي : تنفر منه . ووعى الحديث قبله وتدبره وحفظه . وعلى ذلك يكون مرادها عليها السلام أنهم رفضوا ما قبلوه سابقاً من التعاليم الدينية القاضية بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ( 6 ) الدسع في المقام القيء . شبهت عليها السلام رفضهم لما قبلوه من تعاليم الدين بتركهم نصرها بمن قاء الشراب بعد أن تسوغه . ( 7 ) سورة إبراهيم الآية : 8 . ( 8 ) خامرتكم يعني خالطتكم واستترت في نفوسكم . والجذلة من الجذل بالجيم والذال المعجمة من الفرح . ولا يتضح وجه إرادتها في المقام . ومن هنا كان الظاهر أن الصحيح ما في نسخة أخرى من قولها عليها السلام : « والخذلة التي خامرتكم » بالخاء والذال المعجمتين من الخذلان ، حيث يتضح المعنى المراد حينئذ . ( 9 ) الخور الضعف ، والقناة الرمح . وهو كناية عن ضعفها عليها السلام عن كتمان غضبها وغيضها على غرار الفقرتين السابقتين والفقرة اللاحقة ، حيث يؤكد بعضها بعضاً . أما الفقرة الخامسة ، وهي تقدمة الحجة فهي تتضمن غرضاً آخر له أهميته في المقام .