السيد محمد سعيد الحكيم

223

فاجعة الطف (أبعادها، ثمراتها، توقيتها)

على إفريقية . وبلغ هشاماً الخبر ، فإذا هم النفر الذين جاء الخبر أنهم صنعوا ما صنعوا » « 1 » . وهو يكشف بوضوح عن تأثير هذه الثقافة في تشويه مفهوم وجوب الطاعة حتى يُتحمّل من أجلها مثل هذا الظلم . كما يكشف عن استغفال الناس - نتيجة العوامل السابقة - حتى صاروا يحترمون هؤلاء الخلفاء الجبارين ، ويعظمونهم هذا التعظيم ، مع شدة تعلقهم بالدنيا ، وانغماسهم في الملذات بإسراف وإفساد ، بحيث يبلغ بهم الأمر أن يطلبوا جلد السخال البيض ولو توقف تحصيل الواحد منه على أن يبقروا بطن ألف شاة لعامة الرعية من المسلمين . وبدلًا من أن يأنف هؤلاء المستغفلون أن يكون هؤلاء ولاة عليهم وأمراء للمؤمنين ، يحتملون ذلك ، ويخلون أمراءهم يفعلونه ، ويقولون : « ما أيسر هذا لأمير المؤمنين » . ومن الملفت للنظر أن الراوي لا ينعى على الخلفاء ظلمهم وظلم عمالهم لهؤلاء ، واحتجابهم عنهم بحيث لا يتسير لهم إبلاغ ظلامتهم ، حتى يضطرهم ذلك لشق العصا والخروج عن طاعتهم ، بعد أن كانوا - كما يقول - أحسن أمة إسلاماً وطاعة ، بل يظهر عليه الأسف لإفساد أهل العراق ودعاتهم لهؤلاء المساكين ، وحملهم على شق العصا والخروج عن الطاعة ، مما أدى إلى خروجهم وخلافهم بعد ما غضوا النظر عن الظلامات الكثيرة ، حتى بلغ الظلم إلى أعراضهم وغصب نسائهم ، وبعد أن طال احتجاب الخليفة عنهم حتى نفدت نفقاتهم ، وكانوا قد قصدوه من تلك المسافات البعيدة ليرفعوا له ظلامتهم .

--> ( 1 ) تاريخ الطبري ج : 3 ص : 313 أحداث سنة سبع وعشرين من الهجرة : ذكر الخبر عن فتح أفريقية وعن سبب ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر وعزل عثمان عمرو بن العاص عنها ، واللفظ له . الكامل في التاريخ ج : 3 ص : 92 - 93 أحداث سنة سبع وعشرين من الهجرة : ذكر انتقاض إفريقية وفتحها ثانية .