الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

329

أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)

فإنّ هذه الآية وإن وقعت في وسط الآيات العشر المتعرّضة لبيان أحكام الطلاق والعدّة - أوّلها الآية : 228 وآخرها الآية : 237 من سورة البقرة - إلّا أنّ الظاهر أنّ مفهوم هذه الآية عامّ وإن كان ما قبلها خاصّاً بعدّة الوفاة ، وعلى هذا فتدلّ على حرمة العزم على النكاح على ذوات العدّة حتّى تنقضي عدّتها ، وحرمة العزم إمّا كناية عن حرمة المعزوم عليه مبالغةً ، كما يقال : « لا تقصد مخالفتي » أو « أخرج هذه الفكرة من قلبك » فحينئذٍ تدلّ على المقصود ، أو يكون العزم واقعاً حراماً بعنوان مقدّمة الحرام ، وحرمة المقدّمة تدلّ على حرمة ذي المقدّمة . إن قلت : هذا الاحتمال منتفٍ ؛ لقوله تعالى في صدر هذه الآية 235 : وَلَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيَما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أوْ أكْنَنْتُمْ فِى أنْفُسِكُمْ لأنّها تدلّ بصراحة على أنّ القصد والعزم ليس حراماً ، بل التعريض أمر فوق القصد ؛ لاشتماله على عمل في الخارج . قلنا : هذا يكون ناظراً إلى النكاح بعد مضيّ العدّة ، والحال أنّ الكلام في النكاح قبل مضيّها ، ولا ربط لأحدهما بالآخر . هذا . وقال سيّدنا الأستاذ في « المستمسك » : « إنّ الآية ناظرة إلى عدّة الوفاة فقط ، فإلحاق غيرها بها لا يتمّ إلّابالإجماع » « 2 » . ولكن ما ذكره قابل للمناقشة ؛ لأنّ حكم عدّة المطلّقات مذكور في الآية قبلها . بل جميع هذه أو كثير منها مرتبط بأمر الطلاق ، فتأمّل . بل يمكن الاستدلال له بقوله تعالى : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ « 3 » ، فإنّ معنى التربّص هو الصبر وترك النكاح . ويدلّ عليه صريحاً بعض الروايات الآتية في الفرع الثاني ؛ أعني الحكم بالحرمة الأبدية ، مثل ما رواه عبد الرحمان بن الحجّاج - في الصحيح - عن أبيإبراهيم عليه السلام . . .

--> ( 2 ) . مستمسك العروة الوثقى 14 : 115 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 228 .