الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
153
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)
مع أنّه قد تكون الطبابة عليه واجبة وداخلة تحت عنوان « الإحسان » . هذا . ولا يبعد انصراف أدلّة الإتلاف والضرر عن محلّ الكلام ، وكيف يمكن القول بأنّ الشارع أوجب عليها الإرضاع ، وأوجب عليها الخسارة أيضاً بعد الإرضاع ؟ ! حتّى أنّ الطبيب لو عالج المريض لا بعنوان أخذ الأجرة ، بل بعنوان واجب شرعي عيني أو كفائي عليه ، قاصداً وجه اللَّه ، فأخطأ من دون تقصير ، يشكل القول بضمانه . وما ورد من ضمان الطبيب إذا لم يأخذ البراءة ، منصرف عن هذا المصداق . وقياس ما نحن فيه على وجوب الأكل في المخمصة - حفظاً للنفس - ولو من مال الغير ، مع القطع بأنّه ضامن ، قياس مع الفارق ؛ فإنّ الحنطة مثلًا تباع بالمال ولو في غير المخمصة ، وليست شيئاً مجّانياً ، ولا تدخل تحت عنوان قاعدة الإحسان التي تكون ثابتة في الشرع والعقل . الرابع : في حكم إكراه الكبيرة قد يقال بسقوط الضمان في أبواب الأموال بالإكراه ، ويكون الضمان على المكرِه ؛ لأنّ السبب هنا أقوى من المباشر . ولكنّ الإنصاف : أنّه فرق بين الإجبار والإكراه ؛ فإنّ الفعل المجبر عليه لا يستند إلى المباشر ، وإنّما يستند إلى السبب ، ولكن في الإكراه يستند إلىالمباشر ، لا إلى السبب ؛ فإنّ المكره يفعل الفعل - بإرادته واختياره - لأقلّالضررين : ضرر الفعل على الغير ، وضرر إيقاع المتوعّد به عليه ، وإنّ ارتكاب الحرام بعد الإكراه ، قد يكون جائزاً في الشرع من باب الامتنان على الامّة . والشاهد على ما ذكرنا ، ما ذكروه في أبواب القتل : من أنّه لو أكره إنسان على القتل ، فلا يجوز له قتل محقون الدم وإن أوعده المكرِه بالقتل ، وإن قتل فعليه القصاص ، وعلى المكرِه الآمر الحبس المؤبّد ، وأمّا لو أجبره - بحيث سلب عنه الاختيار - فالقصاص على المجبِر .