السيد محمد صادق الروحاني
15
زبدة الأصول (ط الخامسة)
وأمّا الهيئة فقد وضعت للدلالة على إبراز الشوق ، أو اعتبار كون المادّة على عهدة المأمور . وعليه ، فلا دلالة في شيء منهما على الدعوى المذكورة . والاستدلال لدلالة الهيئة على الفور باعتبار أنّ البعث الشرعي إنّما هو بمنزلة العلّة في التكوينيّات ، فكما أنّها لا تنفك عن المعلول في أوّل أزمنة الإمكان ، كذلك ما هو منزّل منزلها . فاسد : لعدم تسليم صحّة التنزيل المزبور ، مع أنّ البعث الشرعي إنّما هو جعل ما يمكن أن يكون داعياً . نعم ، مقتضى الإطلاق جواز التراخي ، فإنّ مقتضاه كون الواجب هو الطبيعي المطلق ، بلا اعتبار خصوصيّة زائدة فيه من الفور أو التراخي ، ولازم ذلك جواز التراخي ، وقد مرَّ أنّ الأصول اللّفظيّة حجّة في مثبتاتها . هذا إذا كان هناك إطلاق ، وإلّا فالمرجع حينئذٍ هو الأصل العملي ، وهو أيضاً يقتضي ذلك لأصالة البراءة عن الخصوصيّة الزائدة . قد يقال : إنّ مقتضى القاعدة والأصل وإن كان ذلك ، إلّاأنّه قامت القرينة العامّة على الفور ، وهي قوله تعالى : « وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ » « 1 » ، وقوله عزّ وجلّ : « فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ » « 2 » ، بدعوى أنّ الأمر ظاهر في الوجوب ، فالآيتان تدلّان على وجوب المسارعة والاستباق ، وبديهي أنّ الواجبات الشرعيّة من أظهر أفراد ما يوجب المغفرة ويفيد الخير ، فيجب المسارعة والاستباق إليها بإتيانها في أوّل أزمنة الإمكان .
--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 133 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 148 .