عبد العزيز كعكي

47

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

هذا على أنهم هم السابقون إليها . ويشير الأستاذ عبيد مدني إلى تشعب هذا الوهم فيقول : ( وسارت دائرة المعارف الإسلامية المترجمة مع هذا الوهم ، وألقت التبعة فيه على كتاب العرب دون تمحيص ولا تعيين الذين أولوه ولا كيف أكدوه ، وعلقت عليه بملاحظة مرتبكة الأداء فقالت : « ولولا توكيد كتاب أخبار العرب أن هذه العمائر من إنشاء اليهود لذهبنا إلى أنها بنيت على غرار المنشآت المماثلة في اليمن وقد أدخلها المهاجرون إلى يثرب » ) « 1 » . أما المؤرخ إسرائيل ولفنسون فقد أشار إلى فكرة إقامة الحصون والآطام في شمال الجزيرة العربية على قمم الجبال ، ولم يجزم ، ولكنه رجح بأن تكون مما أتى به اليهود لأنهم كانوا يبنون الحصون والآطام على قمم الجبال « 2 » . وهذا سبب لا يكفي لدعم الترجيح ، ثم إن انطباق ما قاله ولفنسون عن مواقع بعض الآطام في أماكن من المنطقة الشمالية من أنها أقيمت على قمم الجبال لا ينطبق ذلك على آطام المدينة التي تقع في السهول وأطراف الحرار والهضاب . كما أن تاريخ الجزيرة العربية معروف ومكتوب كتبه العرب وغير العرب وفيه ما يشير إلى أن الآطام كانت موجودة في جهات لم يصلها اليهود ، وبعض الجهات وصلها اليهود والآطام قائمة بها ، فالمدينة لم تنفرد بوجود الآطام فيها بل كان في اليمامة وكان في خيبر وتيماء والطائف وكان في صنعاء ونجران « 3 » ولكن اشتهرت المدينة بها لكون الآطام فيها موغلة في القدم امتدت إلى عصر العمالقة وأن أعدادها أصبح كبيرا لدرجة لا يضاهيها بلد آخر . وبعد أن ناقشنا وأثبتنا بأقوال المؤرخين أن العرب العمالقة هم أول من بنى الآطام ولم يكن لليهود في هذا المجال شيء سوى الاقتباس مما هو موجود ، فإن الجانب الثاني الذي أحب مناقشته قولهم : إن اليهود قد جلبوا خبراتهم الزراعية والصناعية . وهذا غير صحيح لأن اليهود عندما وصلوا إلى المدينة كانوا عالة على سكانها ينشدون الأمن في حصونهم « 4 » ويطلبون الراحة بين أكنافهم ، والعرب الوافدون من اليمن ، سواء القبائل السابقة قبل نزول اليهود ، أو قبائل الأوس والخزرج كانت لهم خبرات كبيرة ، فهم قادمون من أرض

--> ( 1 ) « أطوم المدينة المنورة ( بحث في مجلة كلية الآداب بجامعة الملك سعود ) » - الأستاذ عبيد مدني - ص 222 . ( 2 ) « تاريخ اليهود في بلاد العرب » - إسرائيل ولفنسون - ص 116 ، 117 . ( 3 ) « أطوم المدينة المنورة ( بحث في مجلة كلية الآداب بجامعة الملك سعود ) » - الأستاذ عبيد مدني - ص 222 ، 223 . ( 4 ) « الرسول في المدينة » - د . عبد العزيز غنيم - ص 24 .