عبد العزيز كعكي

48

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

الجنتين « 1 » اللتين أنعم الله عليهم بهما ، وهاتان الجنتان في أرض اليمن موطن العرب الأصلي في ديار « سد مأرب » ، وقد نقل هؤلاء العرب تلك الخبرات وأضافوا إليها خبرات من سبقهم من العمالقة . وقد كانت اليمن آنذاك أرض خصبة تغطيها الأشجار المثمرة « 2 » وصدق جل من قائل : « لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ » الآية « 3 » . وبعد هذا الاستعراض نقول : لا يمكن لليهود وهذا حالهم أن يحملوا حضارة تؤثر في الآخرين ، وأن ما وجد عند اليهود في المدينة من خبرات زراعية أو صناعية أو عمارة آطام أو مبان إنما اقتبسوه من العرب سكان يثرب آنذاك . عمارة الحصون والآطام في يثرب : يعتبر العمالقة هم أول من أدخل فكرة الآطام والحصون إلى يثرب ، فكانوا أول من بناها وشيدها ، وزرعوا النخيل ، وحفروا الآبار ، ثم تلاهم بعض القبائل العربية التي نقلت من اليمن بعض الأفكار الجديدة فأدخلت على عمارة الآطام والحصون بعض الإضافات التي أدت إلى تطورها مما جعل لعمارة آطام وحصون يثرب طابعها الخاص الذي انفردت به عن عمارتها في أي مكان آخر . وقد انتشرت عمارة الآطام والحصون من يثرب إلى المدن والبلاد المجاورة كمكة المكرمة ، والطائف ، وخيبر ، وكثير من القرى والهجر المجاورة ، ويشير الدكتور محمد الخطراوي « 4 » إلى انتشار عمارة الآطام من يثرب إلى مكة المكرمة والطائف فيقول : ( ثم أخذت مكة المكرمة هذا الطابع - إقامة الآطام - من أختها يثرب أيضا وأول من ربع بيتا بمكة هو حميد بن زهير ، وقد كانت قريش قبله تبني البيوت المستديرة وتسميها الآجام ومفردها أجم ، وذلك كراهية منها أن تضاهي بناء البيت بالتربيع ، وكانوا يخافون العقوبة في ذلك ولا يتجرؤون عليه . ولذلك كانوا كلما مروا بحميد وهو يبني بيته بلغ منهم العجب مبلغه كيف لم يسقط عليه كسفا من السماء ، أو يأتيه عذاب أليم . وارتجز شاعرهم : اليوم يبني بيته * إما حياته وإما موته فلما لم تصبه عقوبة ولم يحل به عذاب كما كانوا يتوقعون ، ربّعوا بيوتهم

--> ( 1 ) « في أصول تاريخ العرب الإسلامي » - محمد شراب - ص 128 ، 129 ، 130 . ( 2 ) « المدينة المنورة في التاريخ » - عبد السلام حافظ - ص 29 . ( 3 ) سورة سبأ : آية 15 ، 16 . ( 4 ) « شعر العرب في الجاهلية عند الأوس والخزرج » - د . محمد الخطراوي - ص 50 ، 51 ، 52 .