عبد العزيز كعكي

46

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

بالحضارة البيزنطية التي لم تعهد فيها هذه الأنماط من البناء ، ولكن أبا جبيلة الثاني كان يعرف قيمة الآطام الحربية حينما خف لنصرة أبناء عمومته من الأوس والخزرج ، فلم يجاهر اليهود بالحرب وإنما داورهم وخادعهم حتى يأمن عدم احتمائهم بتلك الحصون والآطام ، فيطول مكثه وحصاره لهم دون جدوى ، وهذا الرأي لمن نسب إنشاء الآطام للأوس والخزرج يؤيده أن الحصن في العبرية لم يكن يسمى أطما وإنما كان يسمى خيبرا ) « 1 » . ويناقش الأستاذ محمد شراب العبارة التي ذكرتها المصادر المختلفة في كتب التاريخ والتي تشير إلى أنهم أي العرب أخذوا من اليهود فكرة بناء الآطام فيقول : ( أما أنهم أخذوا من اليهود فكرة بناء الآطام فهو باطل أيضا ، لأن اليهود ليسوا بأرقى حضارة من أهل اليمن الذين ينتمي الأوس والخزرج إليهم ، وتاريخ اليمن حافل ببناء القصور والحصون والقلاع ، ولا زال بناء سد مأرب ماثلا للعيان بعد مرور عشرات القرون ، وكانوا يعرفون الآطام بلفظها قال الشاعر : بث الجنود لهم في الأرض يقتلهم * ما بين بصرى إلى آطام نجران كما ذكر المؤرخون حصنا باليمن يعرف بأطم « الأضبط » ، كان قد أغار على أهل صنعاء ، وبنى بها أطما فقال و ( بنيت أطما في بلادهم لأثبت التقهير بالغصب ) « 2 » . وللدكتور صالح لمعي ما يؤكد ما سبق حيث يشير إلى أن اليهود قاموا بفلاحة الأرض ، وتجميع المباني المنتشرة هادفين إلى تكوين تجمعات حول الحصون إلا أنه من الثابت وجود هذا النظام الدفاعي في المنطقة من قبل على نمط الحصون اليمنية « 3 » . كما يشير الأستاذ علي حافظ إلى ما نقله ابن زبالة من أنه كان مع اليهود في يثرب قبل الأنصار « بني هيف » حي من « بلي » ، ويقال : بقية من العمالقة أيضا وقالوا : إنه كان لبني هيف في قباء أموال ، وآطام منها البلاد القائمة المعروفة بهذا الاسم إلى يومنا هذا « 4 » ، ويتضح من نص ابن زبالة أن بني هيف قد سبقوا اليهود في بناء تلك الآطام في قباء وقبل وصولهم أصلا إلى يثرب . أما قول بعض المؤرخين : ( بأن هذه القبائل من بني إسرائيل والأحياء الذين ذكروا معهم قد اتخذوا بالمدينة الآطام ) وإن كان هذا المعنى قد يبدو صريحا باتخاذهم الآطام فليس هذا خاصا باليهود بل تشاركهم في ذلك الأحياء العربية الأخرى ولا يدل

--> ( 1 ) « شعر الحرب في الجاهلية عند الأوس والخزرج » - د . محمد الخطراوي - ص 52 . ( 2 ) « أصول تاريخ العرب الإسلامي » - محمد محمد حسن شراب - ص 128 ، 129 ، 130 . ( 3 ) « المدينة المنورة تطورها العمراني وتراثها المعماري » - صالح إبراهيم لمعي - ص 10 . ( 4 ) « فصول من تاريخ المدينة المنورة » - السيد علي حافظ - ص 14 .