عبد العزيز كعكي

45

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

بالمدينة واتخذ بها النخيل وعمر بها الدور والآطام واتخذ بها الضياع العماليق ) « 1 » دليل واضح على أن فكرة إنشاء الآطام كانت متركزة عند العماليق في المدينة وهم السابقون لإقامة هذا النوع من المباني ، وأن تلك الروايات التي طالعتنا والتي عزت إنشاء الآطام في يثرب إلى اليهود تحتاج إلى بعض الإيضاح والتمحيص . قال أبو علي أحمد بن عمر المعروف بابن رستة - وكان يعيش في سنة 290 ه - في خبر طويل عن قدوم اليهود للمدينة : ( فنزلوا العالية على واديين يقال لهما « مذينب » ، و « مهزور » نزلت بنو النضير « مذينب » ، ونزلت بنو قريظة وهذل على « مهزور » ، واتخذوا عليه الأموال ، وكانوا أول من احتفر بها الآبار واغترس الأموال ) « 2 » . وقد نقل السيد السمهودي الخبر الذي ذكره ابن رستة أعلاه عن رواة آخرين مقيدا في نطاق محدود فهو يقول : ( فكانوا أول من احتفر بها أي العالية ) « 3 » فحصر الأولية هنا « بالعالية » ، والعالية : هي إحدى جهات المدينة التي كان بنو قريظة نازلين عندها ، ومن هنا ذهبت الرواية تتشعب وتنحرف لتخرج المفهوم عن مضمونه وذلك في إعادة ضمير ( فيها ) إلى « المدينة » مع أنه عائد إلى « العالية » والضمير في مثل هذه الحالة يعود إلى أقرب مذكور ، هو العالية ، فظنوا أن اليهود هم أول من زرع واحتفر في المدينة ، بينما المراد « العالية » وحدها لا المدينة كلها . وهنا أيضا لا بدّ من تبيان أن ما تطالعنا به بعض كتب المؤرخين المتأخرين عن ابن رستة بإضافة كلمة الآطام إلى النص السابق هو محضّ تزيّد وافتئات على الحقيقة إذ لا يحتوي عليها النص التاريخي الأول وهو نص ابن رستة الذي يعتبر المرجع الأول لمصدر هذا الخبر . قال د . محمد الخطراوي : ( ولئن كان كثير من الإخباريين يعزون إنشاء الآطام بيثرب إلى اليهود فإن الدلائل الأخرى تشير إلى أنها كانت من إنشاء الأوس والخزرج نقلوها معهم من اليمن بعد أن طوروا فيها ووسعوا أغراضها فقد كان في اليمن - موطنهم الأول - منشآت مماثلة للآطام . وهذا يفسر ما يماثلها إلى حد بعيد عند اللخميين في « الحيرة » وهم قوم من اليمن أيضا ، ولم توجد في بني عمومتهم الغساسنة في الشام لاتصالهم

--> ( 1 ) « معجم البلدان » - ياقوت الحموي - ج 5 / ص 84 . ( 2 ) « الأعلاف النفيسة » - ابن رستة - ص 61 . ( 3 ) « وفاء الوفاء » - السيد السمهودي - ج 1 / ص 113 .